وإذا كانت القيمة الكبرى للترمذي الحكيم هي هذه النزعة التعليلية، بغض النظر عن تعليلاته ذاتها، فإن القيمة الكبرى للشيخ الصدوق هي هذه الآلاف من الروايات التعليلية التي جمعها، من حيث كونها تكشف- من حيث المبدأ- عن توسع كبير في التعليل والتقصيد عند المتقدمين، مما يظهر بوضوح إيمانهم الراسخ بكون الشرائع كلها مبنية على علل وحكم ومقاصد ومصالح. كما تكشف لنا مؤلفات هؤلاء الأعلام الثلاثة (القفال الكبير، والترمذي الحكيم والشيخ الصدوق) عن مدى انهماك علماء هذه الحقبة في تقصي التعليلات والمقاصد الجزئية التفصيلية بصفة خاصة.
أبو الحسن العامري والتفكير الفلسفي في المقاصد
في هذه الحقبة أيضا نقف عند حكيم آخر وعلم آخر من أعلام الفكر المقاصدي والبحث المقاصدي وهو الفيلسوف أبو الحسن العامري، المتوفي سنة 381هـ كذلك.
وإذا كان الأعلام الثلاثة السابقون فقهاء فروعيين شغلتهم العلل والحكم الجزئية، فإن أبا الحسن العامري، الفيلسوف المتكلم، جاء فكره المقاصدي متسما بالنزوع نحو الرؤية الكلية والاستنتاجات العامة.
وأهم نموذج بين أيدينا الآن من إنتاجه وفكره هو كتابه الفذ"الإعلام بمناقب الإسلام"وهو كتاب يدخل في"علم مقارنة الأديان"وأقرب فصوله إلى موضوعنا هو الفصل السادس، المتعلق بحكم العبادات الإسلامية ومكارمها، وبيان تميزها وتفوقها على نظراتها في الديانات الأخرى.
ولعل أهم سبق حظي به العامري هو سبقه إلى ذكر الضروريات الخمس، التي أصبحت -على مر العصور-محور الكلام في مقاصد الشريعة.وسبقه كذلك إلى التنبيه على منبع استنباطها من خلال العقوبات الشرعية التي وضعت لحفظ أركان الحياة
الفردية والاجتماعية.قال رحمه الله:"وأما المزاجر فمدارها أيضا عند ذوي الأديان الستة لن يكون إلا على أركان خمسة، وهي:"
-مزجرة قتل النفس كالقود والدية
-ومزجرة أخد المال، كالقطع والصلب
-ومزجرة هتك الستر، كالجلد والرجم