الترمذي الحكيم يغلب عليه -كشأن علماء الصوفية وشيوخها-هذا المنحى الرمزي الذوقي، في تعليل أحكام الشريعة وتكاليفها.وهذا ما نجده في كتب تعليلية مقاصدية أخرى له، مثل كتاب إثبات العلل" [1] وكتاب"الحج وأسراره" [2] "
وفي تقديري، فإن القيمة اكبرى للترمذي، لا تكمن في تعليلاته التي شملت الكثير من العقائد والأحكام الشرعية، بقدر ما تكمن في منحاه التعليلي الذي لايكاد يستثني شيئا.فهو قد خدم فكرة التعليل والتقصيد لأحكام الشريعة بشكل قل نظيره فيمن بعده، فضلا عمن قبله.
الشيخ الصدوق
وممن جاؤوا بعد الترمذي وشغفوا بالبحث والتقصي لعلل الشريعة وأحكامها،
نجد إماما إماميا، هو العلامة ابن بابوية القمي، أبو جعفر محمد بن علي، المعروف بالشيخ الصدوق ، المتوفي سنة 381هـ. وأهم كتاب يذكر له في هذا الباب هو"علل الشرايع" [3] الذي جمع فيه ثروة كبيرة من الأقوال التعليلية المروية عن أئمة الشيعة وعلمائهم، ابتداء من الصحابة المعتمدين عندهم.وهي تعليلات تشمل كافة أبواب الشريعة، بل كافة أبواب الدين، بما فيها العقائد والأخبار.ولا أستبعد أن يكون الشيخ الصدوق قد تأثر بالشيخ الحكيم، في منهجه ونزعته التعليلية الجامحة. [4]
(1) ـ حققه الدكتور خالد زهري، ونشرته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط
(2) ـ -حققه الأستاذ حسني نصر زيدان، ونشر بمصر (1970)
(3) مطبوع في مجلد واحد من جزأين
(4) للمقارنة بين الرجلين، أنظر"تعليل الشريعة بين السنة والشيعة، الحكيم الترمذي وابن بابوي القمي نموذجين"لخالد الزهري