وبعد: فإنّ علم الجرح والتعديل الذي به يُعرف صحيح الحديث من موضوعه ، ومقبوله من مردوده ، واجبٌ معرفته على كلّ من يريد السلامة في دينه ، ويحبّ أن يأخذ احتياطه في عمله الذي يتعبّد به ، ويتقرّب به إلى مولاه .
لأنّنا رأينا أقوامًا ، بل أئمّةً أجلّةً كانوا عن هذا العلم بمعزلٍ ، فوقعوا في مهاوي ، واتّبعوا من الأقوال الباطلة ، والأحاديث الموضوعة ـ التي وضعها أحد رجلين: إمّا جاهلٌ بدينه ، أو فاجرٌ غويٌّ ـ ما صارت به كتبهم ـ من بعدهم ـ عبرةً للناظرين ، وأضحوكةً للمجتهدين الناقدين .
والسبب في هذا كلّه جهلهم بعلم الحديث الذي ينقسم إلى قسمين: بحثٌ في المتن ، وبحثٌ في الإسناد .
والثاني أهمّ القسمين ، وأعظم الركنين ، إذ به يُتوصّل إلى الغرض من علم الحديث ، ويُرتقى إلى معرفة ما يصلح للاستدلال ، وما هو ساقطٌ من متون الأحاديث .
ولهذا أجاز العلماء المجتهدون ـ أهل النظر والدليل ـ بيان حال الرواة من جرحٍ وتعديلٍ ، مع ما في ذلك من الخطر العظيم الذي يشرف بصاحبه على النار ، لأنّ حفظ الشريعة من تلاعب المارقين ، وتزوير الملحدين لا يتمّ إلّا بذلك ، ولا يدفع شرّهم عنها إلّا بمعرفة ما هنالك .
ومع ذلك فلم يتركوا الحبل على الغارب ، ولا أطلقوا للقائل العنان ، بل أباحوا من ذلك، ما تدعو إليه الضرورة ، لأنّ أعراض العباد محظورةٌ ، والوقوع فيهم بالطعن والتجريح كبيرةٌ غير مغفورةٍ ، لما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث ، وهي كثيرةٌ غير محصورةٍ .
فالمؤمنون المهتدون تحقّقوا خطورة الأمر وصعوبته ، فكانوا من ذلك على أشدّ الحذر والاحتياط ، حتّى إنّ منهم من كان يطعن في الراوي الكذّاب الذي لاح كذبه وظهر وضعه ؛ بالعبارات التي لا تدلّ على المراد ، ولولا تصريحه بأنّ قوله في فلانٍ كذا ، يدلّ على كذا ، لما فُهم ـ على مقتضى قواعد المصطلح ـ أنّه يريد الطعن بالكذب ، وكلّ ذلك مخافة الوقوع في المحذور .