وإذ قد تبيّن فساد طعنهم في الحارث ، وظهر بطلان جرحهم له إجمالًا وتفصيلًا ، فلا شي ء بعده إلّا العمل على توثيقه ، والاعتراف بعدالته وصدقه ، كما أثنى عليه الأوّلون وأخذوا بحديثه ، لاسيّما مَن عاصروه ورووا عنه كالشعبيّ ، فإنّه إذا أثنى معاصرٌ على الراوي فلا يبقى لمن يأتي بعده قولٌ في جرحه ولا ردٌّ لحديثه ، لأنّه مهما يبلغ في نقده ما يبلغ فلن يصل إلى درجة المشاهد المعاين «وليس الخبر كالمعاينة» .
وبعد هذا البيان الذي أمليناه في هذه الأوراق اليسيرة ، لا يبقى لناقدٍ ينظر بعين الإنصاف في خلال سطورها شكٌّ في صحّة حديث الحارث ، وأنّه حُجّةٌ في الأحكام ، لا يُعذر من ردّه وأعلّه به ، لا سيّما وقد احتجّوا بأحاديث من لم يبلغ من درجة الحارث العُشْر ، بل صحّح الشيخان وغيرهما لقوم رُموا بالكذب ، واعترفوا بالوضع ، ولا جرح أعظم من هذا عند أهل الحديث .
ولكن ربّما تستغرب من هذا القول ، وترى فيه بعض المبالغة ، بل أعظم المبالغة ، لأنّه لم يطرق سمعَك شي ءٌ يدلّك على صحّته وصدقه ، كما أنّك ستقول لا محالة ـ وأنت ممّن لم يخبر هذا العلم ، ولا اطّلع على خباياه ـ: كيف يكون حديث الحارث صحيحًا مقبولًا مع ما قيل فيه وذكرته عنه من تكذيب الناس له؟ .
ولبيان هذا كلّه عقدنا خاتمة الكتاب ، لنذكر فيها بعض الأمثلة التي يظهر بها أنّ الحارث أعظم مقامًا ، وأحسن حالًا من بعض رجال الصحيح ، وليعلم أنّ تصحيح حديث الحارث ليس بأغرب ولا أعجب من تصحيح حديث أولئك ، مع ما قيل في حقّهم من الطعن الجارح والسب القادح ، وإليك الخاتمة .
الخاتمة
ونبدأ فيها بذكر من رُمي بالكذب والاختلاق ، وتحريف الأحاديث على حسب هواه ، واعترافه بوضع ما كان يهواه ؛ من رجال الصحيح ، وكلُّ ذلك لم يُتّهم به الحارث ، ولا طَعن فيه بسببه جارحٌ ، فنقول: