قال ابن حبّان: وهذا شي ءٌ حدّث به ابن أبي السَّري ، عن شيخ بن أبي خالدٍ ، عن حمّاد ، فبلغه فسرقه وحدّث به عن عبدالملك الجديّ متوهّمًا أنّه قد سمع منه .
قلت: ومع هذا كيف يحتجّ بروايته في تضعيف الحارث؟ ومَن الذي يُقدم على إثبات حديثه من أصله حتّى يحتجّ به في التضعيف؟! هذه والله غفلةٌ من ابن حبّان تضاف إلى ما صدرَ منه من أمثالها ، فحديث وهب بن حفصٍ والعدم سواء ، من غير فارقٍ بالمرّة ، وابن حبّان لم يصرّح بكذبه الذي يقضي عليه بالترك والرمي في زوايا الإهمال ، وقد كذّبه الحافظ أبو عروبة ، وقال الدارقطنيّ: كان يضع الحديث [43] .
ولو سلكنا مسلك ابن حبّان لضعّفنا الحديث الذي ألصقه بالحارث من طرقٍ أخرى غير التي ذكرنا ، ولكن معاذ الله أن نصنع مثل صنيعه ، فندع الكذّابين الوضّاعين الذين يسرقون الأحاديث في حلٍّ ، ونتّهم الثقات العدول الذين قبل الناس حديثهم .
على أنّنا إن فعلنا ذلك فعلناه ومعنا الدليل والحجّة ، فلا يلحقنا ما يلحق ابن حبّان ، ولكن مع ذلك لا نقدم على مثل عمله ، لأنّ كلَّ الصيد في جوف الفرا ، فلم يدع لنا وهب بن حفصٍ ـ بوضعه وسرقته للحديث ـ قولًا في أحدٍ سواه ، ودون الوصول إلى اتّهام الحارث بهذا الحديث مفاوز تنقطع فيها الأعناق ، فوهبٌ الوضّاع وحده مفازةٌ لا يحيط بأطرافها أحدٌ .
والثانية: يونس بن أبي إسحاق ، فإنّه ـ رغم مقامه المعروف في الرواية من الثقة والعدالة ـ فقد قال الأثرم [44] : سمعت أحمد يضعّف حديث يونس عن أبيه .
وقال أيضًا [45] : في حديثه زيادةٌ على حديث الناس ، وقال يحيى [46] : كانت فيه غفلةٌ شديدةٌ .
والثالثة: أبو إسحاق ، فإنّه لم يسمع من الحارث إلّا أربعة أحاديث ، وقد تقدّم أنّهم كانوا لا يقبلون منه عن الحارث إلّا ما قال فيه: «سمعتٌ» .