ولذا لا تجد إمامًا من أئمّة الحديث ـ مهما علا قدره ـ لم يهم في رواياته ، ولم يُخطئ في ضبطه ، ولكن لمّا كان الضبط هو الأكثر والأغلب عليهم لم يلتفت إلى خطئهم ، ولم يؤثّر في رواياتهم ، وهذا أمرٌ معروف مقرّر في كتب الحديث ، ولا أجدُ الآن نشاطًا لنقل نصوصها ، فارجع إليها لترى صدق ما أقول ، ولتعلم أنّ علم الحديث إلهامٌ ، واتقانه غير مُكتسَبٌ ، فإذا خضتَ غِمارَه ، ونزلتَ إلى ميدانه ، ودخلت في حلبة فرسانه صرت تحكم وأنت في القرن الرابع عشر بما حكم به أهل القرن الثاني والثالث من غير أن ترجع إلى نصوص كلامهم ، ولا أن تطّلع على فحوى قولهم ، ولهذا قالوا قديمًا: «معرفة الحديث إلهامٌ ، لو قلت له من أين هذا؟ لم يجد جوابًا ، مع أنّه قال صدقًا ، وحكم حكمًا صائبًا ، قذفه من قلبه المنوّر بنور الحكمة النبوية» .
والمقصود أن إتيان الراوي ببِضْعة أحاديث على غير وجهها لا يقدح فيه إذا كان الغالب عليه الضبط ، وعكسه في غير الضابط لأغلب أحواله ، فإنّه قد يأتي بأحاديث مستقيمة في بعض الأحيان ، ولكن لكثرة وهمه ، وقلّة ضبطه ، لم تبق الثقة في مرويّاته ، وصار أمر حديثه يحتاج إلى التقوية من متابعٍ أو شاهدٍ ، وكلّ هذا معروفٌ لا نطيل بتقريره .
والعجب من ابن حبّان كيف يلصق التهمة بالحارث!!؟ ويَدَع كذّابًا في السند ضعّفه هو ـ نفسه ـ في الضعفاء ، وهو وهب بن حفص الحرّانيّ .
قال ابن حبّان [42] : روى عن الفريابيّ وأبي قتادة ، وكان شيخًا مغفّلًا ، يقلب الأخبار ولا يعلم ، ويخطى ء فيها ولا يفهم ، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد ، وهو الذي روى عن عبدالملك بن إبراهيم الجديّ ، حدّثنا حمّاد بن سلمة ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: «ليس أحدٌ يدخل الجنّة إلّا جُرْدٌ مُرْدٌ» ـ الحديث .