فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 49

وأمّا قول ابن عديّ: «عامّة ما يرويه غير محفوظٍ» فلم يظهر لنا ما رواه الحارث منكرًا مخالفًا للثقات ، ولعلّه تبع في هذا الجوزجانيّ الناصبيّ وأمثاله ـ كما تبعه في طعنه في عاصم بن ضمرة من غير دليلٍ ولا برهانٍ ـ والدعاوى إذا لم يقم عليها دليلٌ أبناؤها أدعياء [39] .

وكذلك قول ابن حبّان: «كان غاليًا في التشيّع ، واهيًا في الحديث» فإنّه كقول ابن عديّ .

وابن حبّان له مبالغاتٌ كثيرًا ما يقعقع بها ـ كما قال الذهبيّ ـ وهي لا تحتوي على طائلٍ ، وهذا منها ، فإنّ الغلوّ في التشيّع غير مضرٍّ إذا ثبتت العدالة ، وظهر الصدق ، وقد وثّق أحمد بن حنبل وابن معينٍ وأبو حاتم أبان بن تغلبٍ ـ مع كونه كان غاليًا في التشيّع ـ .

قال الذهبيّ في ترجمته [40] : فلقائلٍ أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدعٍ ، وحدّ الثقة العدالة والإتقان ، فكيف يكون عدلًا مَن هو صاحب بدعة؟

وجوابه: أنّ البدعة على ضربين:

فبدعةٌ صغرى ، كغلوّ التشيّع ، أو كالتشيّع بلا غلوٍّ ولا تحرّق ، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق ، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة الآثار النبويّة ، وهذه مفسدةٌ بيّنة . . . إلى آخر ما قال .

ولهذا قال الذهبيّ في صدر ترجمته: شيعيٌّ جلد ، لكنّه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، انتهى [41] .

لأنّه لا تلازم بين العدالة والملكة المانعة من الكذب والاختلاق ، وبين العقيدة والرأي الذي يختاره الإنسان ويرضاه لنفسه .

نعم إذا كان صاحب هذا ممّن يجوّز الكذب ، ويراه حلالًا في عقيدته فهذا لا يلتفت إليه مطلقًا ، ومثل هذا ساقطٌ عن درجة الاعتبار بالمرّة ، لأنّه فاسقٌ كافرٌ يُحلّ ما حرّم الله ورسوله ، وعُلم لكلّ مسلمٍ بالضرورة ، وهذا معلومٌ كامنٌ في نفس كلّ ذي فقاهةٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت