فليس بعجيبٍ أن يروي الصحابيّ شيئًا يرويه غيره من الصحابة بخلافه ، ولاسيّما في التطوّع .
وأمّا حديث الغنم ، فلعلّ الآفة فيه ممّن بعد عاصم ، انتهى .
وإذا كان هذا شأن جرح النواصب ـ مع بيان دليله ـ فكيف بجرحهم المبهم الغامض الذي يرمونه رميًا من غير مراعاةٍ ولا حياءٍ ، فكن من هذا على بالٍ ، واحذر من الوقوع في شَرَكِهم .
الثاني: أنّ طعن ابن المدينيّ كطعن غيره سواءٌ ، غير مبيَّنٍ ولا مفسَّرٍ ، فلا يؤثّر مطلقًا ، وقد يكون يريد به ما أراد الشعبيّ من تكذيبه في الرأي والمذهب ، وحيث احتمل كلامه هذا وذاك سقط عن مرتبة الاعتبار .
وأمّا قول عثمان الدارميّ ـ عقب حكايته لتوثيق ابن معينٍ للحارث ـ: «ليس يُتابع ابن معينٍ على هذا» فبطلانه يظهر لك ممّا سبق من توثيق غير ابن معينٍ له ، فالدارميّ قال هذا عن غير تدبّرٍ .
وكذلك قول الحافظ في (التهذيب) [38] ـ عقب حكايته لقول الذهبيّ: «والنسائيّ مع تعنّته في الرجال فقد احتجّ به وقوّى أمره» ـ: لم يحتجّ به النسائيّ ، وإنّما أخرج له في السنن حديثًا واحدًا مقرونًا بابن ميسرة ، وآخر في اليوم والليلة متابعةً .
فإنّ هذا تعقّبٌ غير جيّدٍ ، لأنّ الغرض بذلك حاصلٌ ، وتخريج حديثه على ذلك الوجه كافٍ في ردّ جرحهم له بالكذب ، لأنّ الكذّاب لا يصلح لمتابعةٍ ولا اعتبارٍ ، وتخريج أحاديث الراوي في المتابعة والشواهد يدلّ على صلاحه وحسن حاله .
وأمّا قول أبي زرعة: «لا يحتجّ بحديثه» فهو كالأقوال السابقة في غموضها وإبهامها ، فنصيبه كنصيبها في الردّ ، وعدم الالتفات ، والعمل على خلافه .
وقول أبي حاتم: «ليس بالقويّ» والدارقطنيّ: «ضعيف» تجريحٌ هيّنٌ لا يضرّ ، وبما قررناه سابقًا وذكرناه من ثناء الناس عليه يظهر ضعف القولين .