وأمّا قول أبي خيثمة: «كان يحيى بن سعيدٍ يحدّث من حديث الحارث ما قال فيه أبو إسحاق: «سمعت الحارث» ، فهذا لا علاقة له بالحارث مطلقًا ، وذِكْره في ترجمة الحارث لا يفيد شيئًا ، وإنّما هو في شأن أبي إسحاق السبيعيّ الراوي عنه ، لأنّه كان متّهمًا بالتدليس ، فكان يحيى بن سعيدٍ لا يأخذ منه ما لم يصرّح بسماعه .
هذا من جهةٍ ، ومن جهةٍ أخرى فإنّ أبا إسحاق لم يسمع من الحارث إلّا أربعة أحاديث ، والباقي كتاب ، فلعلّ أبا إسحاق كان يأتي عند الأداء بعبارةٍ توهم أنّ التحمّل للجميع كان سماعًا ، فاحتاط يحيى ابن سعيدٍ لأجل ذلك .
وأمّا قول الجوزجانيّ: «سألت عليّ بن المدينيّ عن عاصمٍ والحارث فقال: مثلك يسأل عن ذا؟ الحارث كذّابٌ» فهو أبطل من أن يُشتغل بردّه لأمرين:
الأوّل: أنّ حال الجوزجانيّ معروفٌ مع أشياع الإمام ، فلا يَأْلو جهدًا في جرحهم ، وذكر مثالبهم ، بل كان يتقوّل فيهم بالهوى والعصبيّة من غير دليلٍ ولا برهانٍ ، ولا يبعد أن يكون كاذبًا [35] فيما نقله عن ابن المدينيّ .
ويدلّ على تعصّبه وخُبثه أنّ عليّ بن المدينيّ ـ على قوله ـ لم يطعن إلّا في الحارث، ولم يقلّده في سكوته عن عاصمٍ! بل قال فيه: هوعندي قريبٌ من الحارث ، وروى عنه أبو إسحاق حديثًا في تطوّع النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم ستّ عشرة ركعة ، فيالعباد الله!! أما كان ينبغي لأحدٍ من الصحابة وأزواج النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم يحكي هذه الركعات؟!
إلى أن قال: وخالف عاصمٌ الأُمّة واتّفاقها ، فروى أنّ في خمسٍ وعشرين من الإبل خمسًا من الغنم [36] .
قال الحافظ في (التهذيب) [37] عقب هذا: تعصُّبُ الجوزجانيّ على أصحاب عليٍّ معروفٌ ، ولا إنكار على عاصمٍ فيما روى ، هذه عائشة أخصّ أزواج النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم تقول لسائلها عن شي ءٍ من أحوال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: سَلْ عليًّا .