فلو تأمّل الذهبيّ قليلًا لعلم المراد ، ولما أقحم نفسه في تجريح الحارث في دينه ومروءَ ته ، ليبقى كلام الشعبيّ محفوظًا غير مردودٍ .
على أنّه لو لم تقم الدلائل على هذا ، وكان الشعبيّ كذّبه من جهة الرواية لما تأخّرنا ـ وأيْمُ الله ـ عن ردّ جرحه الذي لم يفسّره؛ ولم يقم عليه الدليل .
فالأقوال من غير دليلٍ دعاوى مجرّدة ، وأصحابها أدعياء ، ولو بلغوا في الجلالة [30] ما بلغوا .
ويدلّ على قولنا في كون الشعبيّ لم يكذّبه في روايته أنّه روى عنه ، فلو كان عنده كذّابًا في الرواية لما روى عنه ، إذ لا فائدة في الرواية عن كذّابٍ ، فتكذيبه له من جهة الرأي لا غير .
ويزيد دلالةً على ذلك ثناءُ الشعبيّ ـ نفسه ـ عليه ، فقد قال علي بن مجاهد ، عن أبي جنابٍ الكلبيّ عن الشعبي: شهد عندي ثمانيةٌ من التابعين الخيّر فالخيّر ، منهم سويد بن غفلة ، والحارث الهمدانيّ ـ حتّى عدّ ثمانيةً ـ أنّهم سمعوا عليًّا يقول: فذكر خبرًا .
فلم يبق ـ بعد هذا ـ قولٌ لمتقوّلٍ في الحارث ، فإنّ الشعبيّ ـ الذي فتح باب الطعن فيه ـ أثنى عليه من جهة الرواية ، فقال: شهد عندي ، وذَكَر الحارث .
ويدلّ على كون الطعن عليه من جهة الرأي ، قول ابن سعدٍ فيه: كان له قول سوء ، وهو ضعيفٌ في رأيه [31] .
وأمّا النوع الثاني من الجرح في الحارث: فهو لا يقتضي الوضع ، ولا الكذب في الحديث ، وإنّما يقتضي ضعف حديثه لا غير ، وسنبيّن ما في كلّ ذلك من الفساد في الفصول الآتية إن شاء الله .
فصل
ولم يستقرّ عملهم على هذا الجرح في الحارث ، الأمر الذي يدلّ على أنّه لم يثبت لديهم دليلٌ على دعواهم في جرحه بالكذب ، أو أنّهم تبعوا في ذلك من سبقهم من غير دليلٍ ولا نظرٍ ، ثمّ تبيّن لهم فساد القول فرووا عنه وأخرجوا حديثه في كتبهم ، حتّى إنّ ابن حبّان روى له في صحيحه ـ كما قال المنذري ـ .