نوعٌ يقتضي وضع حديثه ، لجرحه له بالكذب ـ كما قال الشعبيّ ـ وهذا مردودٌ كالذي قبله ، لأنّ من كذّبه لم يُقم على ذلك دليلًا ، ولم يبيّن ما كذب فيه الحارث من الأحاديث ، بل أطلق القول كما أطلقه الشعبي .
وهذا القسم لا يخرج عن كونه قال ذلك تقليدًا للشعبيّ ، واتّباعًا له ، وقد علمت أنّ الشعبيّ كذّبه من ناحية تفضيله عليًّا على الصحابة ، لا في روايته ، فتقليده في ذلك ، واتّباعه في تكذيبه ، وتعميم ذلك في روايته باطلٌ ـ كما هو ظاهر ـ .
وبعدأن قرّرتُ هذافي تكذيب الشعبيّ للحارث، وكونه طعن فيه من جهة الرأي والعقيدة، لامن جهة الرواية، وجدتُ مثل ذلك عن أحمد بن صالح المصريّ صريحًا.
قال ابن شاهين في (الثقات) [27] : قال أحمد بن صالحٍ المصريّ: الحارث الأعور ثقةٌ ، ما أحفظَه وما أحسن ما روى عن عليٍّ ، وأثنى عليه .
قيل له: فقد قال الشعبيّ: كان يكذب [28] ، قال: لم يكن يكذب في الحديث ، إنّما كان كذبه في رأيه .
فقد وافقتُ هذا الإمام في قوله قبل أن أقف عليه ـ والحمد لله ـ .
وقال الذهبيّ في (الميزان) [29] : والظاهر أنّه كان يكذب في لهجته وحكاياته ، وأمّا في الحديث النبويّ فلا ، وكان من أوعية العلم .
قلت: وهذا أيضًا تأويلٌ فاسدٌ لكلام الشعبيّ ، أوجبه عدم إمعان النظر في قوله ، مع الجُبن عن الإقدام على ردّ قوله في الحارث ، وإلّا فمثل الحارث ـ وهو مَن هو في العلم والدين ـ لا يقدم على الكذب في الحكايات وكلام الناس وهو يعلم عقوبة الكذب عند الله ، وأنّ لعنة الله تنزل على الكاذب .
فهذا عذرٌ أقبح من الذنب ، وكلام الشعبيّ أخفّ من هذا ، فالذهبيّ جرح الحارث في دينه مع شهادته له بأنّه من كبار علماء التابعين ، وأنّه من أوعية العلم ، لئلّا يردّ كلام الشعبيّ فيه من أصله ، مع أنّ الشعبيّ طعن فيه من جهة رأيه وعقيدته ومذهبه الذي ظنّ الشعبيّ ـ خطأً ـ أنّ الحارث أتى به من عنده .