وقال ابن عبد البرّ [23] : وذكر الحسن بن عليّ الحلواني قال: حدّثنا نعيم بن حمّاد ، حدّثنا معاوية عن الأعمش قال: كنت عند الشعبيّ فذكروا إبراهيم ، فقال: ذاك رجلٌ يختلف إلينا ليلًا ويحدّث نهارًا ، فأتيت إبراهيم فأخبرته ، فقال: ذاك يحدّث عن مسروقٍ ، والله ما سمع منه شيئًا قطّ ، انتهى .
وجرح إبراهيم للشعبيّ أعظم من جرح الشعبيّ له وللحارث الأعور ، لأنّه في جرحه لإبراهيم لم يذكر شيئًا يستحقّ الطعن بسببه في رواية إبراهيم ، وكذلك طعنه في الحارث ، فإنّه لم يبيّن سبب جرحه ، ولم يفسّره ، بل أطلقه وأجمله إجمالًا ، وما كان هكذا فهو غير مقبولٍ عند أئمّة الحديث والأصول اتّفاقًا .
قلت: وما عوقب الشعبيّ إلّا لتعدّيه وظلمه في تكذيبه للحارث من غير دليلٍ ولا سببٍ يوجب ذلك ، وإن كان ابن عبد البرّ صرّح بسبب التكذيب في (جامعه) [24] فقال: ولم يَبِنْ من الحارث كذبٌ ، وإنّما نقم عليه إفراطه في حبّ عليٍّ وتفضيله له على غيره ، ومن هاهنا ـ والله أعلم ـ كذّبه الشعبيّ [25] لأنّ الشعبيّ يذهب إلى تفضيل أبي بكر ، وإلى أنّه أوّل من أسلم ، انتهى .
قلت: وهذا سببٌ باطلٌ ، لا يوجب جرحًا بالكذب فيه مطلقًا ، وفيه غلوٌّ وإسرافٌ في الحكم ، لا يرضاه ذو دينٍ لأمرين:
الأوّل: أنّ حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام من علامة الإيمان والدين ، فكيف يُجعل علامةً على الكذب؟!