سيكون خير معينٍ لك على فهم ما سطّرته في هذه الأسطر ، لأنّ الحارث هذا ممّن نالته سهام النواصب بالطعن والجرح ، لكونه من أتباع مولى المؤمنين عليه السّلام ، فحملوا ونقموا عليه ، وشتموه وسبّوه واستعان على ذلك شياطين علمائهم بجرح الشعبيّ له أوّلًا ، فطاروا بذلك كلّ مطارٍ ، ونادوا عليه بالكذب والبهتان ، وسوء الاعتقاد ، وهو ـ والله ـ بري ءٌ من ذلك براء ة الذئب من دم يوسف ، ولكن داؤه وذنبه الموجبان له ذلك هو ما ذكرنا .
وكان من حق هذا الكتيّب أن يُسمّى: (الفتح الربّاني في الدفاع عن الحارث الهمْدانيّ) لأنّه ممّا فتح الله به على عبده في فترةٍ وجيزةٍ من غير أن أقف على كلام أحدٍ في الدفاع عنه ، إلّا ما كان من السيّد محمد بن عقيل في (العتْب الجميل على أهل الجرح والتعديل) [5] .
وهو ـ مع ذلك ـ لم يذكر في حقّه كلمةً واحدةً ممّا ذكرته أنا ، ولا عرّج على ما عرّجت عليه مطلقًا ـ ولله الحمد والمنّة ـ ومن نظر كتابه علم ذلك ، وله ـ مع ذلك ـ الفضل الجزيل في الدفاع عن آل البيت وأشياعهم ، جزاه الله خيرًا وشكر سعيه .
وكان السبب في جمع هذه الورقات اليسيرة في الدفاع عن الحارث هو ما وقفت عليه في (الموضوعات) لابن الجوزيّ أثناء جمعي لكتاب (التبصرة في نقد التذكرة) في حديث: «اتّخذوا الحمام المقاصيص ، فإنّها تُلْهي الجنّ عن صبيانكم» .
فإنّ ابن الجوزيّ أورده من طريق يحيى بن ميمون ، عن ميمون بن عطاء ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الحارث ، عن عليّ عليه السّلام به مرفوعًا [6] ، وأعلّه بيحيى بن ميمون والحارث [7] ، فتعجّبت من صنيع ابن الجوزيّ هذا أوّل الأمر جدًّا ، واستغربته لأمرين:
أوّلهما: أنّ الحديث ألصقوه بيحيى بن ميمون ، لأنّه كان كذّابًا متروكًا ، فإدخال الحارث معه من زيادات ابن الجوزيّ التي فيها ما فيها .