ومعاذ الله أن يكون الكتاب الذي فيه حديث حريز بن عثمان ، وعمران بن حطّان من الكتب المقتصرة على الصحيح ، ولو أجمع على ذلك الجنّ ، كما أجمع عليه البشر .
ومن رجع إلى ترجمة حريز بن عثمان يعرف ما نقول ، ويتحقّق أنّ حديث الملعون ينبغي أن يُذكر في (الموضوعات) لابن الجوزيّ ، ولكن هذا ما شاء الله .
فبسبب هذا صارت كتب الجرح ذات عللٍ خفيّة ، وأغراضٍ دنيّةٍ ، وسمومٍ قتّالةٍ؛ لا يسلم منها إلّا مَن نظر فيها بعين البحث والنقد والاعتراض ، وتتبّع الأقوال والكلمات حتّى يعرف مخارجها ، وأسباب وضعها ، ولا يركن إلى الأخذ مجرّدًا عن كلّ ما ذكرنا ، فإنّه لا يأمن ـ مع ذلك ـ من الوقوع في المهالك التي تقصم الظهر ـ والعياذ بالله ـ .
وإذا وفّقنا الله وهيّأ لنا الأسباب لكتابة المؤلَّف الذي نريد وضعه في هذا الباب ، لرأيت العجب العُجاب ، ولما استجزت بعده أن تأخذ كلمةً واحدةً من تلك الكتب من غير بحثٍ ونظرٍ ، صغيرةً كانت أو كبيرةً ، لأنّ هذا العلم بعد أن كان يُقصد لغايةٍ شريفةٍ لا تحوم حوله الدسائس ، ولا يقرب إليه الدسّاسون المدسوسون ، صار بعد ذلك سُلَّمًا لأهل الأهواء ، وطريقًا يتوصّلون بها إلى الطعن في الأئمّة وجرحهم وسبّهم بما شاء لهم ذوقهم الفاسد ، فاختلط الضارّ بالنافع ، والسقيم بالسالم ، وامتزجا امتزاجًا لا يميّزه إلّا أهل النقد المنيرة بصائرهم .
وهذا كتابٌ جمعته في مجلسين ، سمّيته:
(المحْور في عين من ردّ حديث الحارث الأعور)