قال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم، لذلك بطى رحمة لأمته اما قوله:"هذا الغلام"فأشار الى صغر سنه بالنسبة اليهم. قال الخطابي: العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلاما، ما دامت فيه بقية من القوة.
ويظهر لي أن موسى عليه السلام، أشار الى ما أنعم الله به على نبينا، عليهما الصلاة والسلام، من استمرار القوة في الكهولة، والى أن دخل سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعترى قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة (كما روى البخاري) من حديث أنس، لما رأوه مردفا أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب، وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسن من أبي بكر والله أعلم.
وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات، بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد من مثل ذلك. ويشير الى ذلك قوله:"إني قد جربت الناس قبلك.."انتهى وقال غيره: لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى ولا من له كتاب أكبر، ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة، مضاهيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فناسب أن يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه، من غير أن يريد زواله عنه. وناسب أن يطلعه على ما وقع له، وينصحه فيما يتعلق به. ويحتمل ان يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ امته بالنسبة أمة محمد، حتى تمنى ما تمنى ان يكون، استدراك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء.
وذكر السهيلي: أن الحكمة في ذلك، انه كان قد رأى في مناجاته صفة أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدعا الله أن يجعله منهم، فكان إشفاقة عليهم كعناية من هو منهم.