وأما ثالثا: ففي حديث عائشة عند البخاري في بدء الخلق: أن عائشة جزمت بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة فالمعتمد أن مراد من قال: بعد أن فرضت الصلاة، ما فرض قبل الصلوات الخمس، إن ثبت ذلك. ومراد عائشة بقولها: (ماتت قبل أن تفرض الصلاة) : أي الخمس فيجمع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنا ماتت قبل الاسراء.
وأما رابعا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر فحكى العسكري عن الزهري: أنها ماتت لسبع سنين مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فرعه العسكري على قول من قال: إن المدة بين البعث والهجرة كانت عشرا.
وأما قوله في رواية شريك عن أنس: ( حتى أتوه ليلة أخرى) ، ولم يعين المدة بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحى اليه وحينئذ وقع الاسراء والمعراج. وإذا كان بين المجيئين مدة، فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدد سنين وبهذا يرتفع الاشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الاسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة ويسقط تشنيع الخطابي وابن حزم وفيرهما، بأن شريكا خالف الاجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة وبالله التوفيق.
وأما ما ذكره بعض الشراح أنه كان بين الليلتين اللتين أته فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: ثلاث عشر، فيحمل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال. وبذلك جزم ابن القيّم في هذا الحديث نفسه.