وأقوى ما يستدل به أن المعراج بعد البعثة، قوله في هذا الحديث نفسه أن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبعث؟ قال: نعم فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة، فيتعين ما ذكرته من التأويل وأقله قوله: ( فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام) ، فإن حمل على ظاهره، جاز أن يكون نام، بعد أن هبط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام. وجاز أن يؤول قوله: استيقظ: أي أفاق مما كان فيه، فإنه إذا أوحى اليه يستغرق فيه، فإذا انتهى رجع الى حالته الأولى، فكنى عنه بالاستيقاظ.
أي أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال، بمشاهدة الملكوت، ورجع الى العالم الدنيوي. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة: لو قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنه كان يقظان، لأخبر بالحق، لأن قلبه في النوم واليقظة سواء، وعينه أيضا، لم يكن النوم تمكن منها، لكنه تحرى صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصدق في الإخبار بالواقع فيؤخذ منه أنه لا يعدل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلا لضرورة.
أما الشك في رواية مالك بن صعصعة في قوله:"في الحطيم وربما في الحجر، فهو شك من قتادة ـ الراوي عن أنس بن مالك بن صعصعة. كما بينه أحمد عن عفان عن همام، ولفظه:"بينا أنا نائم في الحطيم ـ وربما قال قتادة: في الحجر"."
والمراد بالحطيم هنا: الحجر. وأبعد من قال: المراد به: ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر وهو إن كان مختلفا في الحطيم: هل هو الحجر أم لا؟ لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع فيها. ومعلوم أنها لم تتعدد، لن القصة متحدة لاتحاد مخرجها.
وفي سياق آخر في رواية مالك هذه:"بينا أنا عند البيت"وهو أعم ووقع في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر:"فرج سقف بيتي وأنا بمكة"وفي رواية الواقدي بأسانيده: انه أسري به من شعب أبي طالب وفد حديث أم هاني عند الطبراني: أنه بات في بيتها، قالت: فقدته من الليل فقال:"إن جبريل أتاني".