وجوز بعض قائلي ذلك أن تكون قصة المنام وقعت قبل المبعث لأجل قول شريك في روايته عن أنس: ( وذلك قبل أن يوحى اليه..) وقوله:"قبل أو يوحى اليه". أنكرها الخطابي وابن حزم وعبدالحق والقاضي عياض والنووي وعبارة النووي: وقع في رواية شريك ـ يعني هذه ـ أوهام أنكرها العلماء أحدها: قوله:"قبل أن يوحى اليه"وهو غلط لم يوافق عليه. وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الاسراء، فكيف يكون قبل الوحي. انتهى. وصرح المذكورون بأن سريكا تفرد بذلك، وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس ـ بمعجمه ونون مصغر ـ عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب"المغازي"من طريقه وقال بعض المتأخرين: كانت قصة الاسراء في ليلة والمعراج في ليلة، متمسكا بما ورد في حديث أنس من رواية شريك، من ترك ذكر الاسراء. وكذا في ظاهر. حديث مالك بن صعصعة. ولكن ذلك لا يستلزم التعدد. بل هو محمول على أن بعض الرواة، وذكر ما لم يذكره الآخر كما سنبينه.
وذهب بعضهم الى أن الاسراء كان في اليقظة، والمعراج كان في المنام. أو أن الاختلاف في كونه يقظة أو مناما خاص بالمعراج لا الاسراء. ولذلك لما أخبر به قريشا كذبوه في الاسراء واستبعدوا وقوعه، ولم يتعرضوا للمعراج. وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال:
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى} .
فلو وقع المعراج في اليقظة لكان ذلك أبلغ في الذكر، فلما لم يقع ذكره في هذا الموضع، مع كون شأنه أعجب من الاسراء وأمره أغرب من الاسراء بكثير، دل على أنه كان مناما، وأما الاسراء فلو كان مناما لما كذبوه ولا استنكروه، لجواز وقوع مثل ذلك وأبعد منه لآحاد الناس.
هل كان الاسراء والمعراج معا في ليلة واحدة؟