ومفهوم المخالفة ، ويسمّي دليل الخطاب ، هو دلالة اللفظ علي ثبوت حكم للمسكون عنه مخالفٍ لما دَلّ عليه المنطوق ، لانتقاء قيد من القيود المعوّل عليها في الحكم . ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر علي نفي الحكم عما عداه ، فيكون المسكوت عنه مخالفًا في الحكم للمنطوق نفْيًا وإثباتا . مثل قوله تعالي: ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئا مريئا ) ومفهوم المخالفة أنه إذا لم تطب نفس الزوجة ، فهل يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من المهر ؟ . وعن الشريد بن سود رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: [ ليَّ الواجد ظلم ، يحل عرضه وعقوبته ] رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وقد أخذ العلماء بمفهوم المخالفة في هذا الحديث ، وهو أن ليّ غير الواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه .
وقد اختلف الأئمة في العمل بالمفهوم المخالف ، فذهب الحنفية وآخرون إلي أن مفهوم المخالفة لا يصلح للاحتجاج في كلام الشارع ، ولا يعوّل عليه في فهم الأحكام الشرعية ، أما في المصنفات الفقهية وكلام الناس في العقود والشروط فيؤخذ به ، نزولا علي حكم العرف والعادة ، وذهب أكثر المتأخرين من الحنفية إلي عدم الأخذ بمفهوم المخالفة في كلام الشارع فقط ، وذهب غيرهم من الحنفية إلي عدم الأخذ بمفهوم المخالفة مطلقا .
وذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد إلي الأخذ بمفهوم المخالفة والاحتياج إليه والاحتجاج به وإثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه واحتجوا بأدلة كثيرة ، لغوية ، وعقلية وشرعية ، ولكن بشروط بينوها تردّ علي أصحاب المذهب الآخر . ومن الأمثلة علي الاحتجاج بمفهوم المخالفة ما يلي:
أ - قال تعالي: ( إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) فلما نزلت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: [ سأزيد علي السبعين ] رواه البخاري ومسلم ، وهذا يدل علي أن حكم ما عدا السبعين بخلافه .