قال الحنفية: إن حديث سمرة ناسخ لحديث أبي رافع فيقدَّم عليه . وقال الشافعية: يمكن الجمع بين الأحاديث التي أفادت بيع الحيوان بالحيوان مؤجلا ، وبين حديث سمرة الذي ينهي عن ذلك ، بأن نحمل لفظة - نسيئة - في حديث سمرة نحمله علي النسيئة من الطرفين ، فيكون من بيع الديْن المتفق علي تحريمه ، ويبقي الدْين من طرف واحد جائزا كما تفيده الأحاديث الأخرى . وقد رجح هذا القول بالجمع بين هذه الأحاديث المتعارضة الصنعاني في سبل السلام لإمكان الجمع علي قول الشافعي ، ولعدم وجود دليل صريح علي النسخ ، ولأن حديث رافع أقوي سندا من حديث سمرة . وقال الشوكاني في نيل الأوطار: فلم يبق هنا إلا طريق الجمع إن أمكن ذلك ، أو المصير إلي التعارض ، وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي ، ولكنه متوقف علي صحة إطلاق النسيئة علي بيع المعدوم بالمعدوم ، فإن ثبت في كلام العرب لغةً أو في اصطلاح الشرع فذاك ، وإلا فلا شك أن أحاديث النهي ، وإن كان كل واحد منها يخلو عن مقال ، ولكنها تثبت عن طريق ثلاثة من الصحابة ، وبعضها يقوَّي بعضا ، وأيضا فقد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة .
بهذه الأمثلة المتنوّعة وغيرها يتضح سعة باب الجمع والترجيح بين النصوص ، وأنه سبب كبير من أسباب اختلاف العلماء في استنباط الأحكام الذي لا يمكن رفعه .
4 -الاختلاف في بعض مصادر الاستنباط في الأخذ ببعض القواعد الأصولية:
من المسلمات عند أهل العلم ، أن الفقهاء المجتهدين اختلفوا فيما بينهم في حُجيَّة بعض المصادر والأصول الاجتهادية ، مثل اعتماد الإمام مالك علي حجية عمل أهل المدينة دون غيره من الأئمة ، ومثل عدم اعتماد الحنفية العمل بمفهوم المخالفة ، أو عدم اعتمادهم إمكان حمل العام علي الخاص ، وحمل المطلق علي المقيد . ومن هذه الأمثلة ما يلي:
1 -اختلافهم في حجية عمل أهل المدينة: