الصفحة 33 من 83

وقد نصب الحق سبحانه في كتابه وسنة رسوله دليلا يعرف به كل مسألة ، وعلي المجتهد أن يبذل جهده ليستدل علي الحكم ، سواء وصل إلي الصواب أوْلا ، لأنه غير مكلف بإصابة الحق ، بل بالاجتهاد في طلبه ، وقد فعل . وجميع المجتهدين إنما قالوا بعلم ، واتبعوا الدليل ، لكن قد يكون عند بعضهم في مسألة ما علم ليس عند الآخر ، وكثيرا ما يكون النزاع في المعني نزاع تنوّع ، وليس نزاع تضادّ وتناقض . قال الإمام ابن تيميه في الفتاوى: [ كل اجتهاد تام إذا صدر من أهله ووقع في محله فثمرته حق وصواب ، والإثم منفي عنه ] ويقول رضي الله عنه [ إذا كان الاختلاف في الفروع قد وقع بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون علي باطل ، ودلّ الكتاب والسنة علي وجوب متابعتهم ، فكيف يطمع بعض الناس في أن يمحو الخلاف من بين غيرهم ] مجموع الفتاوى 19/123 . وذكر ابن عبد البر في جامع البيان للعلم بسنده إلي يحيي بن سعيد أنه قال: [ ما برح أولو الفتوى يفتون ، فيحل هذا ، ويحرم هذا ، فلا يري المحرّم أن المحلْ هلك لتحليله ، ولا يري المحل أن المحرم هلك لتحريمه ] وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام: إن الله حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملَّة قابلة للأنظار ومجالا للظنون . وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة ، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها ، لكن في الفروع دون الأصول ، وفي الجزئيات دون الكليات .

وقال الزركشي: اعلم أن الله تعالي لم ينصب علي جميع الأحكام الشرعية أدلّة قاطعة ، بل جعلها ظنيّة قصدًا ، للتوسع علي المكلفين ، ولئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع . وقال عمر بن عبد العزيز: ما يسرّني أن أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم لم يختلفوا ، لأنه لو كان قولا واحدًا لكان الناس في ضيق ، وإنهم أئمة يقتدي بهم ، فلو أخذ رجل بقول أحدهم لكان في سعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت