الصفحة 31 من 83

ولكي يتحقق العدل بين الناس لابد أن تكون الشريعة الإسلامية شاملة جميع جوانب الحياة علي مرّ الزمان ، قال تعالي: ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) أي يهدي من اتبعه إلي الطريق المثلي في الدين والدنيا . وقال سبحانه: ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم للناس ما نزل إليهم ، وتركهم علي المحجّة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك ، وترك في أمته ما إن تمسكوا به لن يضلوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم .

وهذا لا يعني أن في الكتاب والسنة حلولًا نصيَّة لجميع الحوادث والوقائع إلي قيام الساعة . فالنصوص لم تستوْعب أحكام جميع الجزيئات ، غير أن تعريف القرآن بالأحكام أكثره كُليَّ لا جزئي ، وحيث جاء جزئيا فإنه يؤخذ علي الكلية إلا ما خصَّه الدليل . قال الشاطبي في الموافقات [ إن الشريعة لم تنص علي حكم كل جزئية علي حدتها ، وإنما أتتْ بأمور وعبادات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر ] وبذلك يمكن أن تنزل الوقائع الجديدة علي أحكام الكليات التي وردت بها النصوص الشرعية . وهذا ما جري ، ففي القرن الأول اتسعت الفتوحات في سبيل الدعوة ، وكان من نتائج ذلك وثمراته أن دخلت أعداد كبيرة من الأعاجم في دين الله أفواجا ، وأخذت تختلط بالعرب اختلاطا كبيرا عن طريق الجوار تارة ، والمعاملات تارة ثانية ، والمصاهرة تارة ثالثة ، وكانت البلاد المفتوحة في درجة بالغة من الغني ومستوفي رفيع من التقدّم ، فحدثت حوادث ووقائع جديدة تقتضي حلولا جديدة ، كمضرب التعامل وشئون المال ونظام الرَّي وغير ذلك . وكان المسلمون يصطحبون معهم أهل العلم للفتوى في مثل هذه الحوادث وتنظيم البلاد وفق شرع الله ، فكان الفتح الإسلامي دعوة ورعاية وتبليغ رسالة وإقرارًا للنظام في الأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت