4 -ومن ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه كان يري التسوية في العطاء من بيت مال المسلمين ، وأن يأخذ الناس منه علي السواء ، لا يفضل أحدا علي أحد ، فلم يجعل العطاء ثمنا لأعمالهم التي عملوها لله ، وكان يقول: إنما أسلموا لله وأجورهم علي الله ، وإنما الدنيا بلاغ وهذا معاش ، فالأسوة فيه خير من الأثرة ، أما عمر رضي الله عنه فكان من رأيه لتفضيل وكان يقول: لا نجعل من ترك دياره وأمواله مهاجرا إلي الله ورسوله كمن دخل في الإسلام كرها ، ولا أجعل من قائل رسول الله كمن قاتل معه ، وإنما الناس بسوابقهم وحسن بلائهم وعظم غنائهم في الإسلام يتفاوتون في عطائهم وأرزاقهم علي حسب تفاوتهم في تلك المزايا .
5 -ومن ذلك ما أحدثه عمر رضي الله عنه من اتخاذ الدواوين والجيوش المتفرغة للجهاد ، وما اقتبسه من النظم الإدارية والتنفيذية في إدارة أمور الخلافة مما لا يتعارض مع الأصول الشرعية ، ومن ذلك ما سُمَّيَ بضريبة العشور = الجمارك = وهي الرسوم التي تفرض علي الواردات إلي البلاد الإسلامية من البلاد غير الإسلامية إذ قال لأبي موسي الأشعري [ خذ أنت منهم مثل ما يأخذون منا ] وذلك أنهم كانوا يأخذن من المسلمين حين دخولهم بالتجارة إلي بلادهم العشور من القيمة فعاملهم بالمثل .
أسباب اختلاف الفقهاء:
يقول الدكتور طويلة في كتابه أثر اللغة في اختلاف المجتهدين: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية ، ومحمد صلي الله عليه وسلم رسول الله ورحمته المهداه إلي الناس كافة ، ولذلك انطلق الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم بإحسان يفتحون البلاد المجاورة برحمة وعدل ، داعين إلي الله ، هادفين إعلاء كلمته لإخراج الناس من جوْر الأديان إلي عدل الإسلام ، ومن ضيق ماديات الدنيا إلي رحابة الإيمان ، ومن قلق النفس وحيرتها إلي طمأنينة القلب بذكر الله .