هائتلاف المعنى مع الوزن، نعت قدامة هذا النوع بقوله:
"هو أن تكون المعاني مستوفاة، لم تُضطر بإقامة الوزن، إلى نقصها عن الواجب، ولا إلى الزيادة فيها عليه؛ وأن تكون المعاني أيضًا مواجهة للغرض، لم تمتنع عن ذلك، وتعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته" (35) .
لم يورد قدامة شاهدًا على هذا التعريف -بل عمد -في فصل لاحق، إلى ذكر عيوب ائتلاف المعنى والوزن، كأن يأتي المعنى مقلوبًا، مراعاة للوزن، كقول الحطيئة (ت 30 ه/650م) (من الطويل) :
فلما خشيت الهون والعير مُمسك ... على رغمه ما أثبت الحبل حافره (36)
أراد الحبل حافره، فانقلب المعنى. أو أن يأتي مبتورًا باطالته، فلا يُكتفى معه ببيت واحد، بل يحتاج إلى بيت ثان، كقول عروة الصعاليك (ت 596 أو 616م)
(من الوافر) :
فلو كاليوم كان عليَّ أمري ... ومن لك بالتدبر في الأمور
لم يتم المعنى، كما نرى، لغياب جواب"لو"، فإن البيت الآتي ليتم المعنى:
إذًا لملكت عصمة أمِّ وهبٍ ... على ما كان من حَسَك الصدور (37)
ومعنى البيتين: لو كنته يومئذ كما أنا اليوم قوة واقتدارًا، لأمسكتها، وكنت مالك أمرها على ما بني وبين قومها من الكراهية والعداء.
وعرّف صفي الدين الحلي، هذا النوع، فقال: هو أن يؤتى بلفظ يأتلف مع المعنى من غير حاجة إلى إخراج المعنى عن وجه الصحة بتقديم، أو تأخير، أو تحريف أو حذف، أو قلب. مثاله، بيت له في بديعيته، (من البسيط) :
من مثله وذراع الشاة حدَّثه ... عن سُمِّه بلسان صادق الرَّنم (38)
ومن أمثلة القلب، استشهد الحي ببيت للشاعر الأموي عبد الله بن الدُّمينة (ت 130ه/ 748م) ، (من الطويل) :
ليهنئك إمساكي على الكفِّ ... ورقراق دمعي خشية من زيالك
أراد: إمساكي على الحشا بالكف (39) .