وهو أن يشتمل الكلام على معنى معه أمران أحدهما ملائم، والآخر بخلافه فتقرنه بالملائم (27) .. وشفع تعريفه بشاهد آخر للمتنبي، مادحًا سيف الدولة (من البسيط) :
فالعُرب منه مع الكُدريِّ طائرة ... والروم طائرة منه مع الحَجَل (28)
كان من الممكن قرن"منتظم"مع"غرار السيف"وهو حده، و"منتثر"بـ"سنان الرمح"فهما ملائمان للمعنى -وكذلك كان من الممكن أن يقول المتنبي:
فالروم منه مع الكُدريِّ طائرة ... والعُرب طائرة منه مع الحَجَلِ
لكنه آثر التعبير بالشكل الذي أورد لأن القطا يلائم بلاد العرب، والحجل، الساكن في الجبال، يلائم مع الروم لأنهم يسكنون الجبال مثله، وبذلك يكون المعنى قد ائتلف مع المعنى بصورة أفضل.
والضرب الثاني: أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين له، فتقرن بهما ما لاقترانه مزية، كما في قول المتنبي، مادحًا سيف الدولة في معركة انتصاره على الروم، بالحدث (من الطويل) :
وقفت، وما في الموت شكّْ لواقفٍ ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم (29)
يقول المتنبي -ردًا على سيف الدولة الذي أنكر على الشاعر تطبيق عجزي البيتين على صدريهما -"لما ذكرت الموت في أول البيت، أتبعته بذكر الردى لتجانسه. ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسًا، وعينه من أن تكون باكية، قلت:"ووجهك وضاح وثغرك باسم"، لأجمع بين الأضداد في المعنى" (30) ، انتهى كلام المتنبي.
ويعقب الواحدي (ت 468 ه/ 1075م) شارح ديوان المتنبي -على ما قاله:
"لا تطبيق بين الصدر والعجز أحسن من بيتي المتنبي؛ لأن قوله:"كأنك في جفن الردى وهو نائم"، هو معنى قوله:"وقفت وما في الموت شك لواقف. فلا معدل لهذا العجز عن هذا الصدر، لأن النائم إذا أطبق جفنه، أحاط بما تحته، وكأن الموت قد أظله من كل مكان، كما يُحدق الجفن بما يتضمنه من جميع جهاته. وجعله نائمًا، لسلامته من الهلاك لأنه لم يُبصره وغفل عنه بالنوم فسَلم ولم يهلك.