فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 11

ب-ائتلاف اللفظ مع المعنى، وهو توافق الشكل مع المضمون، أو المعنى والمبنى توافقًا طبيعيًا أو عضويًا يكون فيه المألوف مع المألوف، والغريب مع الغريب والجزل مع مع الجزل والرقيق مع الرقيق.. وهذا ما عناه الجاحظ في قوله:"ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزْل للجزْل... وإن كان في لفظ الحديث سُخف وأبدلت السخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يُسرَّ النفوس يُكربها ويأخذ بأكظامها" (14) .

وفي معرض حديثه عن مقومات الأسلوب عند المؤلف من توفيق بين الكلام ومناسبته، خاطب القاضي الجرجاني القارئ الكاتب بضرورة تقسيم الألفاظ على رُتب المعاني، فلا يكون الغزل كالفخر، ولا الوعيد كالمدح، ولا الهزل كالجد.. بل يترتب كل في مرتبته، ويوفى حقه، يستوي في ذلك النظم والنثر (15) . مثال ذلك قول الحق تبارك:

"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب" (16) فعدل الله سبحانه وتعالى عن ذكر الطين إلى ذكر التراب لأن فيه كثافه. إذ المقصود بلفظ التراب ومعناه، تصغير أمر خلق المسيح (ع) عند من أدعى أُلوهيته، فلهذا كان الآتيان بلفظ التراب أمسَّ بالمعنى من الطين، الذي هو أعم من التراب، ويعني مجموع التراب والماء، ومن الأمثلة القرآنية الدالة على هذا النوع من الائتلاف، قوله تعالى أيضًا في معرض الاستسقاء:"وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا" (17)

ثم قوله تعالى:"وأوحينا إلى موسى إذا استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا" (18) فقد استخدم -جل وعلا -مع استسقاء موسى (ع) لفظة"انفجرت"ومع استسقاء قومه"انبجست"وشتان ما بين اللفظين. الأولى أقوى من الثانية بأضعاف لأنها في مقام التناسب مع موسى، وأما الثانية فهي في ائتلاف وتوافق مع مقام قوم موسى.. ومثل ذلك قول زهير بن أبي سلمى (ت 615م) (من الطويل) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت