"فقد ناسب فيه بين الصحة، والقوة، والسَّماع، والخبر المأثور، والأحاديث، والرواية، ثم بين السيل، والحيا، والبحر، وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب؛ في العنعنة، إذ جعل الراوية لصاغر عن كابر، كما يقع في سند الحديث، فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر، ولهذا أصله البحر، ولهذا جعل كف الممدوح أصلًا للبحر مبالغة" (10) .
هذه الألفاظ الواردة في بيتي ابن رشيق، اتسقت وانتظمت وائتلفت، فأدت غرضًا بلاغيًا جعل كلام مؤتلف النسج محكم السَّدى.
ومن تعريفات هذا النوع البديعي، قول صفي الدين الحلّي (ت 750 ه/ 1349 م) أثناء شرح بديعته المسماة"الكافية البديعية في المدائح النبوية":
"هو أن يكون في الكلام معنى يصح معنى واحد من عدة معان، فيختار منها ما بين لفظه وبعض الكلام، ائتلاف ملاءمة"وساق شاهدًا لذلك بيتًا شعريًا من"كافيته" (من البسيط) :
خاضوا عُباب الوغى والخيل سابحة ... في بحر حرب بموج الموت مُلْتَطم (11)
أما المثال الشعري الذي ضربه الحلي، من الشعر القديم، فهو قول البحتري، مادحًا، وواصفًا أنضاء الأبل التي مضت في السفر ودخلت غمار السراب، (من الخفيف) :
كالقِسِىِّ المعَطَّفات بل الأسـ ... ـم مَبْريَّةٍ بلِ الأوتار (12)
"فإن تشبيه الإبل بالقسي من حيث هو كناية على هُزالها يصح معه تشبيهها بالعراجين والأخلَّة والأطناب ونحوها.. فاختار من ذلك تشبيهها بالأسهم والأوتار، لما بينها وبين القسي من الملاءمة والائتلاف. وكذلك ما في بيت القصيدة من ملاءمة العُباب والسباحة والبحر والموج والالتطام" (13) .