والأفضل منه، تعريف السيوطي (جلال الدين ت 911ه/ 1505م) أن تكون الألفاظ تلائم بعضها، بأن يُقرَن الغريب بمثله والمتداول بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة (5) . كقوله تعالى، على لسان اخوة يوسف:"تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حَرَضًا" (6) فقد ناسب أو آلف بين ثلاثة ألفاظ غريبة الاستعمال مع وجود ألفاظ مماثلة أكثر استعمالًا، وهي على التوالي: (تاء) القسم بدلًا من (الواو) و (الباء) ، وهما المألوفتان في القَسَم، ثم الفعل الناقص (تفتأ) بدلًا من تزال، التي ترد في هذا الجانب أكثر من غيرها، فـ (حرضًا) وهي بمعنى: ضعيف القوة، أو الهالك من الحزن والغم.. وترجع غرابتها إلى جزالة حروفها واختلاف قراءتها وتفسيرها. فقد قرأها أنس بن مالك (حُرْضًا) بضم فسكون. ومعنى الآية: أنهم قالوا لأبيهم أنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم (7) .
على هذا الأساس تجاوزت الألفاظ وتلاءمت جنسًا غريبًا، وطاوع بعضها بعضًا لتؤدي غرضًا بلاغيًا سماه البلاغيون: ائتلاف اللفظ مع اللفظ. ومن الائتلاف اللفظي، ذي الألفاظ المأنوسة، قوله تعالى:"وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتَهُم ليَخرُجُنَّ" (8) وهو يعني -جل شأنه -أهل النفاق الذين كانوا يلحفون للرسول - صلى الله عليه وسلم - بطاعته والخروج معه إلى القتال (9) . وما كان قسمهم إلا قولًا لا فعلًا. فقد ورد في الآية ألفاظ مأنوسة الاستعمال ناسبت بعضها، فحسُن جوارها، وتعادل وضعها. ومن جميل ما يروى، في هذا البابا، قول صاحب العمدة، ابن رشيق، مادحًا أحد الأمراء:
أصحُّ وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم