وقد تُعجز مثل هؤلاء الحيلة فينتحلون بعد ذلك صناعة التلفيق , ليفروا من وصفهم بالخروج عن المألوف وترك منهج الفقهاء في آرائهم ومؤلفاتهم , فيجعلون الاستدلال بأقوال أهل العلم - دون النصوص - عذرا في عدم نبذ قولهم , وقد ينطلي هذا على بعض الناس , ولهذا من أطرف ما قيل في مثل هذا الباب تلفيق بعض الشعراء في الأبيات المشهورة , حيث زعم أن أبا حنيفة أباح النبيذ , والشافعي قال: النبيذ والخمر شيء واحد , فلفق من القولين قولا , نتيجته إباحة الخمر , فقال:
أباح العراقيُّ النبيذ وشربه ... وقال الحرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحلت لنا من بين قوليهما الخمر [1]
وقد ذكر العبيكان أن قوله اجتهاد منه , كما ألمح في المقدمة حينما ذكر تعصب الآخرين دون احترامهم للاجتهاد المخالف , وهذا في الحقيقة خلط واضح , وذلك أن الاجتهاد إذا لم يعتمد على دليل صريح ثابت فإنه لا يعد كذلك , ولهذا لا يمكن أن يقال إن أهل البدع والأهواء مجتهدون لمجرد قولهم , إلا إن كان العبيكان يرى أن كل مجتهد مصيب ولو لم يكن معه دليل , فهذه مسألة أخرى محلها في غير هذا الموضع .
والواقع أن قول العبيكان ليس اجتهادا , بل هو مخالف للنصوص الصريحة الثابتة المانعة من النشرة كما في حديث جابر الأتي وغيره .
أما التساهل في الفتيا لمجرد وجود الخلاف فعند البعض باب مفتوح , بل بلغ ببعضهم الإفتاء بخلاف الإجماع بسبب ما عمت به البلوى في نظره , من ذلك ما كتبه بعض المغاربة حول تجويز مخالفة الإجماع في حلق اللحية لعموم البلوى بحلقها , ولأن عرف العامة هو الحلق وقد اعتادوا عليه , فقال:
(1) - تتبع الرخص لعبداللطيف بن عبدالله التويجري ص 23