وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية , حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة ، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم ، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر ، بل في غير ذلك ، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع , فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها ، فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها ، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز ، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع ، وهو عين الخطأ على الشريعة , حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا وما ليس بحجة حجة . [1]
وأهل العلم ذكروا أن الخلاف ليس دليلا شرعيا تثبت به الأحكام أو تنسف به الشريعة .
ولا يعني هذا أن العبيكان لم يذكر دليلا على كلامه , بل ذكر لكنه لم يرم به في وجه مخالفه كما فعل بوجود الخلاف , وإن كان ما ذكر من دليل عليه لا له .
وحسب البعض أن يعتقد ثم يستدل , لتصبح المسألة ليا للنصوص واختلاقا للأقوال , وضربا بالحقيقة ونصوصها عرض الحائط , وقد كان الأئمة رحمهم الله أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم يأمرون الناس أن يعرضوا قولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فإن وافقهما وإلا قالوا: اضربوا بقولنا عرض الحائط .
أما بعض المتأخرين فيقولون خذوا بأقوالنا اضربوا بنصوص الشريعة عرض الحائط إتباعا للهوى .
(1) - الموافقات 4 / 141