الثاني: أن عمارا قال ولم يفعل , وقد قال ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه ابن جرير وغيره ليس التقية بالعمل , إنما التقية باللسان . [1]
بل إن أهل العلم منعوا من فعل الحرام المتعدي كالقتل والزنا اضطرارا فكيف بفعل الشرك والكفر , ولو أُخذ بهذه القاعدة على الطريقة التي استخدمها العبيكان لرأيت كيف تضيع الحدود وتنتهك الأعراض وتسيل الدماء بحجة الضرورة .!
أما فعل الكفر فلم يأت في الشرع ما يبيحه ضرورة , وعلى العبيكان التدليل على ما يقول .
الوجه الثالث: أنه لا يسلم له أن في استحلال الشرك والكفر من أجل حل السحر ضرورة , وذلك أنه عليه الصلاة والسلام دلنا على ما نحتاجه من الأدوية والرقى في علاج أدوائنا , مع علمه أن الإنسان قد يبلغ المرض به مبلغا شديدا , وقد جاء عند النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل , يبتلي العبد على حسب دينه , فإن كان دينه صلبا اشتد بلاءه ) .
وفي صحيح البخاري عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك , فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا , قال: أجل , إني أوعك كما يوعك رجلان منكم , قلت: ذلك أن لك أجرين ؟ قال: أجل ذلك كذلك ) الحديث .
ومع ذلك لم يبح التداوي بالشرك والكفر , بل لم يعتبرها ضرورة كما اعتبر غيرها من المحرمات عند خوف الهلاك , بل قد جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الدواء الخبيث .
وقد علق البخاري رحمه الله في باب شراب الحلواء والعسل عن الزهري قوله: لا يحل شرب بول الناس لشدة تنزل لأنه رجس .
والشدة تستدعي الضرورة , ومع ذلك لم يبحها الزهري فيما هو دون حل السحر .
(1) - أخرجه ابن جرير في التفسير (3/228) وصالح بن أحمد في المسائل رقم (571) وغيرهما .