ومن جهة أخرى تجد غيرهم ممن استل طرفا من الألفاظ العامة المحتملة , وقد ألقى بها دون أن يبذل ولو يسيرا من عناء البحث والتقصي - أو أنه وقف عند حد قدرته - وقد بسط عليها قولا خطيرا , كخطورة الذهاب للمشركين من أهل السحر والشعوذة والتذلل بين يديهم - مما تسبب في تضارب أقواله , بل حتى في انتقاء الأقوال وفهم نصوص الأئمة , كهذه المسألة التي ألقاها العبيكان , فقد كان معتمده هو كون المسألة خلافية لا غير , حتى جعل النص تابعا لا متبوعا , فاضطرب في الاختيار , وألزم مخالفه بقوله الضعيف .
فضلا عن إشغاله الخاصة والعامة بما هم عنه مشغولون .
وحتى يتضح المراد , فلو لاحظت مسألة حل السحر بسحر , لوجدت أن من أهم أركانها أن يكون المستعان بحله هم السحرة والشياطين , عبدة الأوثان والهوى والشهوة , ممن لا يقيمون للشريعة قدرا , ولا لصاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام مكانة وفضلا , بل ولا لأنفسهم اعتبارا , وقد بلغت بهم الرذائل ما لا نحتاج إلى ذكره في هذه الورقات , حتى صاروا من أكبر عبّاد الدرهم والدينار , وإن كانوا من أفقر عباد الله بذاك الدرهم والدينار , على ما حكى بعضهم عن ذلك , وقد قرأ الجميع ما بلغت به حال غلاة المتصوفة ومخرفيها مما سودت به الكتب حتى ضحك علينا لذلك اليهود و النصارى , لظنهم أن نسبتهم إلى الإسلام صحيحة .
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن المسلمين قد يتنازعون في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير , لكنهم لا يمكن أن يتنازعوا بحرمة التداوي بالكفر والشرك , والمعنى أنه رحمه الله ينقل الإجماع بحرمة التداوي بحل السحر بالسحر على الصورة التي فهمها العبيكان .
يقول ابن تيمية رحمه الله ما نصه:
والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال .. الخ [1]
فإن قيل: قد نقل عن بعض الأئمة إجازة ذلك ؟
(1) - مجموع الفتاوى 19/61