لا شك أن تتبع أصول المسائل , والتريث وترك العجلة في الطرح خاصة في مثل هذه القضايا الحساسة - من أوضح ما يدل على حذق الباحث وتوفر الآلة لديه , وقد كان سلف الأمة في القرون المفضلة , ومن تبعهم على منهجهم حتى يومنا هذا من خير من وفق لذلك , وأقرب مثال على ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وبقية من أخذ بأصولهما العقدية والفقهية , كما هو بادٍ في تأصيلهم للمسائل , حتى لا تكاد تجد في أصولهم ما يتناقض , وتجد هذا - تحديدا - في تقريرهم لمعتقد السلف الصلح رحمهم الله , وكأنك تسمع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان .
وفي مقابل هذا المنهج المنضبط تجد من الفِرق الأخرى كالأشاعرة مثلا ومن دخل تحت رايتهم - قد تضاربت أقوالهم وتساقطت ببعضها , وذلك حينما جعلوا الحكم لأقوالهم هو قول فلان وفلان من الفلاسفة , وعلى رأسهم معلمهم الأول أرسطو وغيره , متذرعين بأن أول واجب على المكلف هو النظر , وذلك ليصلوا إلى المرحلة التي تسمح لهم بأن يأخذوا ما وافق هذا النظر ويردوا ما خالفه , حتى بلغ بالغزالي بأن يقول من يأخذ بالسمع ( نصوص الشريعة ) لا يستقر له فيها على قدم ولا يتعين له موقف [1] , ومع ذلك يصفون أنفسهم بأنهم من أهل السنة .!
وقس على ذلك كل من اعتد برأي فلان أو فلان محتجا بهم لوصف لهم أو ثناء عليهم أو غير ذلك , دون قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم .
(1) - إحياء علوم الدين 1/180