ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن الأماكن النظيفة يمكن أن تتهيأ بفعل نشاطات الإنسان الخاطئة لاستقبال الوباء المنتقل إليها بأي وسيلة وفي أي وقت، إذ قد يؤدي تلويث المياه الراكدة (الجحفة) ، وتجميع القاذورات والمواد العضوية الفاسدة وتراكمها دون معالجة إلى تحويل هذه الأماكن من بيئات نظيفة إلى بيئات موبوءة نتنة عفنة (خُمّ) .
ومن هنا يتجلى لنا الإعجاز النبوي في دعاء تصحيح المدينة في أن المياه الراكدة (الجحفة) والأماكن العفنة النتنة (خُمّ) هي أماكن ينتقل إليها الوباء بسهولة. وفي ذلك تنبيهٌ نبويٌ شريف إلى السعي إلى كل الأمور التي تحقق النظافة والطهارة، بل هو - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بها حتى يبتعد الناس عن أذى القاذورات والتلوث الضار.
وجدير بالذكر أن نشير هنا إلى الإعجاز النبوي في التعامل مع المرضى المصابين بالأمراض غير المعدية والمصابين بالأمراض المعدية. ومن العجيب المذهل لغير المسلمين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ميَّز بين المريض الذي لا يسبب العدوى عن المريض الذي تنتقل العدوى منه إلى الآخرين، قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، كما ميَّز نبيّ الهدى صلوات ربي وسلامه عليه بين المريض بمرض معدٍ في نطاقٍ محدود، والمريض بمرض وبائي سارٍ. وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد وضع أسس التعامل مع هؤلاء المرضى حيث سبق علماء العصر الحديث في هذا الأمر [1] .
وسنرى فيما بعد كيف شملت تشريعات النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحافظ على سلامة البيئة، والعمل على عدم تحويلها إلى أماكن مهيئة لاستقبال الوباء.
اختفاء الوباء المحبوس من الوجود باتباع هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(1) عبد البديع حمزة زللي. الإعجاز العلمي في لفظتي المرض والمُمْرِض (مرجع سابق) ، مجلة بحوث ودراسات المدينة المنورة، العدد 26: 185-206 (1429هـ) .