على أية حال، فإن الثابت الصحيح أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعو أبدًا أن يُؤذيَ الله سبحانه وتعالى قومًا حتى وإن آذوه أو اختلفت ديانتهم عن دينه الحنيف, إلا أن يصبحوا مصدرًا عظيمًا يعمل على انتهاك حرمات الله في دار المسلمين, فهو لم يدع على مشركي قريش الذين آذوه وأخرجوه من مكة المكرمة. ولم نجد في الكتب أن في الجحفة حينئذ قومًا من المشركين أو من اليهود كانوا يؤذون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين مما يجعلهم يستحقون الدعاء بأن يصيبهم الأذى والبلاء.
الحقائق العلمية تكشف أين ينتقل الوباء:
تدل الحقائق العلمية أن احتمال انتقال الوباء من بيئة موبوءة إلى أماكن أخرى، ليس مقصورًا على بيئة محددة بذات عينها, ولكن مجال الانتقال مفتوح لأيّ مكان وخم قريب أو بعيد, مُهيأ لاستقبال هذا الوباء, وغالبًا ما تكون الأماكن الوخمة القريبة من البيئة الموبوءة هي أكثر الأماكن احتمالًا لانتقال الوباء إليها, ونظرًا لوجود أماكن أخرى قريبة من المدينة (كخيبر مثلًا) تتوفر فيها الظروف المناسبة لانتقال الوباء إليها, ونظرًا أيضًا لبعد الجحفة (المكان المعروف) عن المدينة, فإن احتمال انتقال وباء المدينة إلى الأماكن القريبة لا يمكن أن يستبعد, بل هو المتوقع. الأمر الذي يدل على أن وباء المدينة المنتقل لا يمكن حصره في مكان واحد, فيظهر عندئذ أن لفظة الجحفة المذكورة في الدعاء، ليس المقصود منها المكان المعروف بين مكة والمدينة, وإنما المقصود منها معانٍ أخرى شملتها اللفظة، وهي تلك الأماكن المهيئة لاستقبال الوباء الذي ينقل إليها والله أعلم. والناس لا يسكنون في الأماكن الوخمة، وبهذا يظهر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدع بنقل الوباء إلى مكان مأهول بالناس. والله أعلم.
جَعْل الجُحْفَة ميقاتًا لأهل الشام: