لم يبق جودك لي شيئًا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل (55)
فصدر البيت مكتمل المعنى، وليس العجز إلا تذييلًا حسنًا، زاد في جمال المعنى وحقيقته..
7-إطناب التكميل أو الاحتراس:
وهو أن يؤتى به في كلام يوهم خلاف المقصود، بما يدفعه (56) وهو ضربان: ضرب يتوسط الكلام، كقول طرفة بن العبد يمدح قتادة بن مسلمة الحنفي:
فسقى بلادكَ -غير مفسدها، ... صوب الغمام وديمة تهمي (57)
فجملة:"غير مفسدها"أكملت المعنى وحالت دون الوقوع في وهم غير مقصود، وهو ضرر مطر الربيع للديار؛ وإذا المطر نافع. ولهذا السبب سمى هذا النوع: احتراسًا، كقوله تعالى: { فسَوْفَ يأتي اللهُ بقومٍ يُحبُّهمْ ويُحبُّونَهُ، أذلَّةٍ على المؤمنين، أعِزَّةٍ على الكافرين } (58) يقول القزويني، شارحًا:
فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلَّة على المؤمنين؛ لتوهم أن ذلتهم لضعفهم، فلما قيل:"أعزَّة على الكافرين"علم أنها منهم تواضع لهم، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم، مع شرفهم، وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين، خافضون لهم أجنحتهم (59) .
ومثله قول ابن الرومي، فيما كتب إلى صديق له: إني وليُّك الذي لا يزال تنقاد إليك مودته عن غير طمع ولا جزع، وإن كنت لذي الرغبة مطلبًا، ولذي الرهبة مهربًا (60) .
ففي قول ابن الرومي كما نرى احتراسان متعاقبان، الأول، في قوله:"عن غير طمع ولا جزع"لأنه أزال توهم المودة الانتفاعية المتخوفة.. والثاني، في قوله:"وإنْ كنت"وما بعدها، لأنه بدَّد ما قد ينشأ في الاحتراس الأول، من شعور بانتفاء دوافع الرغبة والرهبة لدى الناس.. ونرى أن هذا الشاهد من أفضل الأمثلة على إطناب التكميل أو الاحتراس.
ومن هذا النوع قول الشاعر السعودي المعاصر الأمير عبد الله الفيصل:
والنار تعشق، إن تَغِب، فإذا دنت ... بك فرَّ من رمضائها الموؤودُ (61)