الصفحة 10 من 18

قمرٌ إذا استَخْجَلتَهُ بعتابِهِ ... لبس الغروبَ ولم يعُد لِطلوعِ

أبغي رضاهُ بشافعٍ من غيره ... شرُّ الهوى ما رمته بشفيعِ (50)

فقد استوفى المعنى في صدر البيت الثاني. لكنه ذيله في العجز تحقيقًا لمزيد من الفهم والتوضيح وقد جعله بعضهم أحد مواضع البلاغة الثلاثة: الإشارة والمساواة والتذييل، لأن فيه موقعًا جليلًا ومكانًا شريفًا خطيرًا يزداد بهما المعنى انشراحًا والمقصد إيضاحًا. ومن الأمثلة الشعرية الدالة على إطناب التذييل، قول أبي نواس يمتدح الخليفة العباسي الأمين:

عَرمَ الزمانُ على الذين عَهِدتُهُمْ ... بكِ قاطنينَ، وللزمانِ عُرامُ (52)

المعنى مستوفى في صدر البيت. والعجز المذيَّل جعل منه ما يشبه الحكمة عندما أكَّد شدَّة الزمان وثباتها على الأيام.

ومن البلاغيين القدامى، من جعل التذييل إضافة جملة يذيل بها الكلام ليتحقق بها ما قبلها، فقسمه أو قسم الجملة المذيلة قسمين:

1-قسم لا يزيد على المعنى الأول، وإنما يؤتى بها للتأكيد والتحقيق.

2-قسم يخرجه المتكلِّم مخرج المثل السائر ليحقق ما تضمن الكلام السابق من زيادة المعنى. كقوله تعالى: { إنَّ اللهَ اشترى من المؤمنينَ أنفسَهُمْ وأموالَهُمْ بأنَّ لهم الجنَّةَ، يُقاتلون في سبيل الله فيَقْتلون ويُقتلَون وعْدًا عليه حقًَّا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومَنْ أوفَى بعهدِهِ من اللهِ، فاسْتَبْشِروا بِبَيْعِكُمُ الذي بايَعْتُمْ به } (53) فهذه الآية الكريمة تضمنت القسمين من التذييل. أحد القسمين قوله تعالى: { وعْدًا عليه حقًَّا } فقد تم الكلام. ثم أتى سبحانه، بهذه الآية تحقيقًا لما سبق. والقسم الآخر قوله تعالى: { ومَنْ أوفى بعَهْدِهِ مِن الله } ، فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر لتحقيق ما تقدمه (54) .

ومن أجود ما يصح شاهدًا بلاغيًا على إطناب التذييل، قول ابن نباتة السعدي، من شعراء البلاط الحمداني في القرن الرابع، مادحًا سيف الدولة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت