وإذا أخذنا بأقوال العلماء, ووضعنا المحذوف موضعه في الكلام نجد بأن الآية تصبح متقابلة تقابلًا تامًا بين ألفاظها, ويكون تقدير الآية الجليلة:
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله
وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت يرونهم مثليهم رأي ... .
وفي هذا الإيجاز تظهر بلاغة الإحتباك في نظم الآية , وذلك لأنه ذكر في الجملة الأولى لازم الإيمان وهو (القتال في سبيل الله) , وحذف مؤمنة ,مدحًا لهم , لان المسلمين كانوا في أعلى درجات الإيمان حينها , ومدحًا لهم كذلك بما يليق بالمقام ورمزًا إلى الاعتداد بقتالهم , ووصفت الأخرى بـ (الكافرة) ملزوم القتال, بغير الصفة التي وصفت بها الفئة الأولى إسقاطا لقتالهم عن درجة الاعتبار وتحقيرًا لهم [1] .
وثمة لطيفة بلاغية أخرى وقعت في نظم الآية في (وأخرى كافرة) ولم يقل (وفئة كافرة) إشعارًا بأن الطائفتين ليستا متساويتين , وإهمالا للثانية وتصغيرًا لشانها أن تقرن بالمؤمنة .
... كما في تنكير (آية) في بداية الآية دلالة على التفخيم والتهويل , أي آية عظيمة, وفي تقديم لكم على (آية) للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر [2] .
... وحقق الألتفات من ضمير المفرد في قوله: (وأخرى كافرة) إلى صيغة الجمع في قوله: { يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} العموم والشمول ,وان كل واحدٍ من أفراد المشركين كان يرى المسلمين مثلي عددهم [3] , ومما يدل على أن الرؤية كانت عينية جناس الاشتقاق الذي وقع بين ( يرونهم ) و ( رأي العين ) , فضلًا عن التصريح بلفظ العين جارحة البصر .
ثانيًا. الأمم السابقة
1.موسى - عليه السلام -
(1) =: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ، أبو السعود العمادي: 1/342 , وروح المعاني: 3 /95 .
(2) =: صفوة التفاسير: 1/ 173 .
(3) إرشاد العقل السليم: 1/ 342 .