... قال تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ } (آل عمران: 13) .
... نزلت هذه الآية ردًا على اليهود عندما جمعهم رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - , بعد غزوة بدر وحذرهم من أن يصيبهم ما أصاب مشركي قريش يوم بدر , فقالوا لا يغرنك انك أصبت أغمارًا [1] لا علم لهم بالحرب , لئن قاتلتنا لعلمت أننا نحن الناس , فنزلت [2] .
والفئتان في الآية هما المسلمون ومشركو مكة , وقد ذكر في جانب المسلمين إنهم يقاتلون (في سبيل الله) , وفي جانب المشركين أنها ( كافرة ) , فلم يأت النظم الكريم بين لفظتين متقابلتين تمامًا فلم يقل: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى تقاتل في سبيل الطاغوت , ولا فئة مؤمنة وأخرى كافرة , بل قال الحق: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } , فوقع بهذا حذف من الطرفين على سبيل الإحتباك .
... قال أبو حيان: (( حذف من الأولى ما اثبت مقابله في الثانية , ومن الثانية ما اثبت مقابله في الأولى ,فذكر لازم القتال وهو(القتال في سبيل الله) , وذكر في الثانية ملزوم القتال في سبيل الشيطان وهو الكفر )) [3] . فذكر الكافرة في الثانية أفاد بان الفئة الأولى مؤمنة, وبقوله { تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ} أن الأخرى تقاتل في سبيل الطاغوت [4] .
(1) الأغمار:"الأغمار جمع غمر بالضم وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور"لسان العرب:5 /32 ,مادة (غمر) .
(2) =: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، البيضاوي: 1 /150 .
(3) البحر المحيط: 2 / 411 .
(4) =: التحبير في علم التفسير: 474