... وثمة فائدةٌ في الجمع بين الحقيقة والمجاز في تعبيرٍ واحد في الآية ,وهي بيان نعمة الله على عباده , ولولا هذا الجمع لذهبت هذه الخاصية الفنية , فذكر نعمة الله على الإنسان بقوله: (لتسكنوا فيه) ولو قال (ساكنًا) لم يكن فيه دلالة نعمةٍ على الخلق من ناحية , ولكانت (لكم) هنا زائدة , فأتى ب (لكم) والفعل (لتسكنوا) للدلالة على قصد هذه النعمة وهي التسخير , ولو قال (ساكنًا) لم يكن مجازًا لان الليل يصح وصفه بالسكون فتحويله إلى الصيغة الاسمية ليس له فائدة معنوية ولا فنية , ولما تقررت دلالة النعمة في صدر الآية كان العدول إلى التعبير بالمجاز بعد ذلك في جانب النهار كسبًا فنيًا , فعدل من الفعل إلى الاسم , ومن الحقيقة إلى المجاز العقلي فقال (مبصرًا) ,فجمع بين التعبيرين , الحقيقي والمجازي في الآية نفسها , ودل على المقصد الرئيس من الآية وهو الدلالة على النعمة , بإيجاز بديع , فكسب المعنى والفن معًا [1] .وقد أفاد هذا العدول من الفعلية إلى الاسمية معنيين:
1.إننا نبصر في النهار كما قيل ليلٌ نائم , يراد نائم أهله .
2.إنه جعله مبصرًا , يبصر أعمالنا , ويكون شاهدًا علينا بالخير والشر , فأصبح النهار بوساطة المجاز وكأنه كائن حي له عينان تبصران , فنحن نبصر فيه وهو يبصر أيضًا [2] . فجاء لفظ ( مبصرًا ) للنهار على سبيل التشخيص [3] .
(1) =: التعبير القرآني , د- فاضل صالح السامرائي: 28 .
(2) =: م . ن: 29 .
(3) (التشخيص) : (( إسباغ الحياة الإنسانية على ما لا حياة له , كالأشياء الجامدة والكائنات المادية غير الحية ) ), المعجم الأدبي: 67 .