ولم يذكر في الجملة الأولى من الآية (الخير) , وذكر في مقابله من الجملة الثانية (الشر) ,إنما ذكر الأنعام أولًا وحذف من الثاني مقابله وهو (الابتلاء والانتقام) , فحذف من الأول والثاني على سبيل الإحتباك , فذكر الإنعام أولًا دليلًا على حذف ضده في الثاني وهو الابتلاء أو الانتقام , وذكر الشر ثانيًا دليلًا على حذف ضده أولًا وهو (الخير) [1] . وعلى هذا يكون تقدير الآية:
وإذا أنعمنا على الإنسان الخير اعرض ونأى بجانبه
فإذا ابتليناه أو انتقمنا منه بالشر فذو دعاء عريض
وجاء النظم الكريم بطريق الإحتباك لتعليم الإنسان الأدب مع الله بنسبة الخير إليه دون الشر , وإن كان الكل من عند الله [2] ، ولأن الخير مطلوب العباد ومرغوبهم إليه ، أو لأنه أكثر وجودًا في العالم من الشر ، ولأنه لا يحب في باب الأدب إلاّ يضاف إلى الله سبحانه [3] ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( الخير كله في يديك والشر ليس إليك ) ) [4] . وهذه طريقة القرآن في نسبة الخبر إلى الله سبحانه دون الشر .
وفي الآية كناية في قوله: { أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ} , كناية عن التكبر والإعجاب بالنفس [5] , وهي كناية عن صفة من صفات هذه النفس المستكبرة في النعماء والسراء , فهي معرضة عن الله مستغنية عنه , ليس كذلك فقط , بل تطغى وتستكبر [6] .
(1) =: نظم الدرر: 17/222 .
(2) =: م . ن: 17/222.
(3) البرهان في علوم القرآن: 3/119 ، وينظر أسلوب الحذف في القرآن الكريم ، أحلام موسى الزهاوي ، كلية الآداب ، الجامعة المستنصرية ، (رسالة ماجستير) : 33-34.
(4) صحيح مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ، حديث رقم 771: 1/535.
(5) =: م . ن: 17/222.
(6) =: الكناية في القرآن الكريم ، أحمد فتحي رمضان ، كلية الآداب ، جامعة الموصل (أطروحة دكتوراه) : 18.