ثم بعد ذلك نضجت الفكرة من خلال هذه الإشارات ونمت حتى ان أبا حيان الأندلسي (ت745هـ) الذي يعد من أوائل الذين بينوا الإحتباك ووضحوه إلا أنَّه لم يسمه بالإحتباك, فعندما فسر الآية التي مرت أنفًا عند القرطبي وهي قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } قال معلقًا عليها: (( هذا من بديع الكلام، إذ حذف شيئًا من الأول أثبت نظيره في الآخر، وأثبت شيئًا في الأول حذف نظيره في الآخر، وأصل التركيب ولهنّ على أزواجهنّ مثل الذي لأزواجهنّ عليهنّ، فحذفت على أزواجهنّ لإثبات: عليهنّ، وحذف لأزواجهنّ لإثبات لهنّ ) ) [1] وهذا هو الإحتباك المتناظر الذي يحذف من كلٍّ من الطرفين ما اثبت نظيره من الآخر, وقال في قوله تعالى: { لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } (الأحزاب / 8) : (( ويجوز أن يكون حذف من الأول ما أثيب به الصادقون، وهم المؤمنون، وذكرت العلة؛ وحذف من الثاني العلة، وذكر ما عوقبوا به. وكان التقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم، فأثابهم؛ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم ) ) [2] وهذا من الإحتباك الضدي الذي يحذف من كلٍّ من الطرفين ضد الاخر , وغيرها من الآيات التي سوف نتناولها في هذا البحث , ومن هذا الكلام نستنتج ان أبا حيان فرق بين الألفاظ المحذوفة , وهو أول من ذكر الإحتباك ونظر له من غير أن يسميه , وعده من الفصاحة والبيان , ومن بديع الحذف والكلام , فكل من جاء بعده نقل عنه وأخذ الفكرة ولم يذكر انه نقل عنه , وبهذا يعد أبو حيان هو المنظر الأول - إذا صح التعبير - لمفهوم الإحتباك إلاّ أنه لم يطلق عليه مصطلحًا , والذين جاءوا من بعده أخذوا الفكرة منه كما قلنا ثمَّ وضعوا له مصطلحات أشهرها الإحتباك .
(1) البحر المحيط: 2/200 .
(2) م .ن:7/ 209.