وهذا ابن القيم (ت751 هـ) -رحمه الله- جعله من الإيجاز الحسن من غير أن يسميه عند تعليقه على عدد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف/56) فقال: (( إنَّ هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الاخر , لكونه تبعًا له , ومعنىً من معانيه , فإنَّه ذكرٌ أغنى عن ذكره لأنَّه يفهم منه (( ) )فعلى هذا يكون الأصل في الآية:إنَّ الله قريبٌ من المحسنين, وإنَّ رحمة الله قريبة من المحسنين )) [1] . وعند قوله تعالى: { ... وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا } ( المزمل / 8 ) قال: (( ومصدر بتل إليه(تبتلًا) كالتعلم والتفهم, ولكن جاء على (التفعيل) مصدر (فَعَّلَ) لسرٍ لطيف فإنَّ في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة, فأتى بالفعل الدال على أحدهما , وبالمصدر الدال على الآخر فكأنة قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا, ففهم المعنيان من الفعل ومصدره . وهذا كثير في القرآن, وهو من حسن الاختصار والإيجاز )) [2] .
فابن القيم في هذين الموضعين يبين المحذوف والمذكور ويدل عليهما ويجعله من الإيجاز الحسن.
وجاء بعد ابن القيم الزركشي (ت 794هـ) فذكره بالبرهان وأطلق عليه اسم (الحذف المقابلي) وقال عنه: (( هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كلِّ واحدٍ منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ) ) [3] .
(1) بدائع الفوائد: 3/30، والتفسير القيم:272، وينظر أبن القيم وحسه البلاغي،عبدالفتاح لاشين: 91.
(2) بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام إبن قيم الجوزية، جمع وتوثيق يسرى السيد حسن: 5/50 ، والتفسير القيم: 501/502 .
(3) البرهان في علوم القرآن:3 / 129.