ثم ذكر المفسرون تباعًا بعد سيبويه إشارات لا يمكن أن ترقى إلى مستوى التنظير, منها ما ذكره الطبري (310هـ) عند تفسيره لقوله تعالى: { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (البقرة/ 135) ما في معناه وهذا يعني قالت اليهود كونوا هودًا تهتدوا , وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا [1] , وهذا من الإحتباك أيضًا لأنه حذف من الأول (تهتدوا) لدلالة (تهتدوا) الثانية عليه , وحذف من الثاني (كونوا) لدلالة (كونوا) في الأول عليه , إذ المعلوم أن اليهودية تكفر النصرانية ولا تجوزها والنصرانية تكفر اليهودية ولا تجوزها , فلا يجوز أن يراد به التخيير [2] .
أما أبن عطية (ت 478 هـ) فقد وردت عنده إشارة واضحة إلى الإحتباك في قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب/24) حيث قال: (( تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم, والتوبة موازية لتلك الإدامة , وثمرة التوبة تركهم دون عذاب , فهما درجتان إقامةٌ على نفاق أو توبة منه , وعنهما ثمرتان تعذيبٌ أو رحمة , فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هذين ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ) ) [3] , وبهذا القول تصبح الآية من الإحتباك لأنَّ الحذف وقع من الطرفين فذكر (العذاب) أولًا يدل على (الرحمة) والنعيم ثانيًا, وذكر (التوبة) ثانيًا يدل على ( عدم التوبة ) أولًا.
(1) جامع البيان: 1/ 652.
(2) =: التفسير الكبير:4/ 89 .
(3) المحرر الوجيز: 12/44.