هذا مذهب البصريين وتفسيرهم، ومن سماه منهم ومن الكوفيين خفضًا، فإنهم فسروه نحو تفسير الرفع والنصب فقالوا لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، وميله إلى إحدى الجهتين.
وأما الجزم فأصله القطع، يقال جزمت الشيء وجذمتُه وبترته وجذذته وصلمته وفصلته وقطعته بمعنى واحد، فكأن معنى الجزم قطع الحركة عن الكلمة، هذا أصله" [1] ."
قلت: وقول الزجاجي: (يرفع حنكه) ، و (فيبين للناظر إليه كأنه نصبه) ، و (لانخفاض الحنك الأسفل) غير صحيح. إذ لا شأن للحنك بحروف الهواء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
وأما قوله في الجر: (فإنما سمي بذلك لأن معنى الجر الإضافة، وذلك أن الحروف الجارة تجر ما قبلها فتوصله إلى ما بعدها كقولك مررت بزيد) . فقول غير صحيح أيضًا، ثم إنه خالف في التأصيل، إذ فسر أصول الرفع والنصب والخفض تفسيرات تتعلق بالحنك وهو آله من جهاز النطق، وفسر الجر بتفسير معنوي.
المبحث الثاني: مخرج الحرف المحقق ومخرج الحرف المقدر
لقد علم الخليل بالتجرِبة أن الحرف عند نطقه إما يكون مقطوعًا عن النفس الهوائي أو متبوعًا بنفسٍ هوائي، إما ياءً قصيرة، وإما واوًا قصيرة، وإما ألفًا قصيرة.
فكان لما نطق على سبيل المثال حرف القاف في نحو كلمة (يقطع) ثم أعاد المقطع الأول (يَقْـ) ثم كرر القاف وحدها أي (إِقْ، إِقْ، إِقْ) وجد أنه ينطق القاف مسبوقة بهمزة مكسورة، فكان أن حكم أن هذه الطريقة هي الطريقة المثلى في استخراج مخرج الحرف، وهي تسكين الحرف مع سبقه بهمزة مكسورة، وبهذه الطريقة تم للخليل استخراج مخارف الحروف استخراجًا محققًا.
(1) الإيضاح في علل النحو، ص 93-94.