الصفحة 7 من 167

وهذا العلم علم يبحث في أصول النحو السابقة، وأول من كتب في ذلك كتابًا بهذا الاسم السيوطي، وفي هذا يقول:"هذا كتاب غريب الوضع، عجيب الصنع، لطيف المعنى، طريف المبنى، لم تسمحْ قريحة بمثاله، ولم يَنْسُج ناسجٌ على منواله، في علم لم أسبق إلى ترتيبه، ولم أُتَقَدَّمْ إلى تهذيبه، وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه، وإن وقع في متفرقات كلام بعض المؤلفين، وتَشَتَّتَ في أثناء كتب المصنفين، فجمعه وترتيبه صنع مخترع، وتأصيلُه وتبويبه وضعٌ مبتدعٌ، لأبرز في كل حين للطالبين ما تبتهج به أنفس الراغبين وقد سميته بالاقتراح في علم أصول النحو" [1] .

العلم الثالث: علم أصول فقه النحو

والأصول في هذا العلم هي الأعمدة والركائز، ومثل ذلك أصول البناء أي أعمدته، وهو علم يشرح كلام النحاة ويبين مرادهم من مصطلحاتهم، إذ إن الممعن يلحظ أن النحاة رحمهم الله غلب على ما كتبوا أسلوب الاختزال في المصطلح، حتى يخيل للناظر المتعجل أنه لا علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي له، حتى لقد قعد نفرٌ دون أبواب العلم يذمون النحو والنحاة، وما ذلك إلا من جهلهم بالنحو، وجهلهم على النحاة.

ثم إني رأيت أهل الحرص في زماننا لا يألون جَهْدًا في الرد عن النحو، والرد على أولئك، فجمعت نَبْلي إلى نبالهم، واصطففت في صفهم، وعمدت أنظر في كلام النحاة، وقد استقر عندي أن علمهم خيرٌ من علمي، ومِنْ علمِ مَنْ في زماني غير أن السابقين منهم لما غلب عندهم وضوح العلم في أنفسهم صاروا يختزلون ألفاظهم، وهذا عهد كل علم يبدأ بالشروح المسهبة ثم يأتي أقوام قد استقرت عندهم تلك الشروح في نفوسهم، فإذا عبروا عنها بالكتابة اختزلوها حتى إذا نظر ناظرٌ في تلك المختزلات، ولم تكن في نفسه مسهبات العلم تَعَقد الأمر عليه، فتراه إما يستظهر ما لا يفهم، أو تراه يَرُدُّ ما قرأ.

(1) المرجع السابق، ص 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت