الصفحة 58 من 167

قلت: فاستدرك الصبان بقوله"بل هو أغلبي فقط لعدم تحقق المقتضى (أي المعنى السياقي للفظ) في نحو: لم يضرب زيدٌ". فاستدراكه هذا هو من الكتابة النظرية المفرقة بين طريقتي الضبط، وهما: إعراب (أي تبيين) المعنى السياقي للفظ، وإعراب (أي تبيين) المحل السياقي للفظ.

المبحث الثامن: معنى قولهم عامل قوي وعامل ضعيف

لقد علمت أن الخليل قد استعار لفظ العامل، وهو اسم الجزء الذي يلي السنان في الرمح، وأن ذلك الموضع هو موضع عقد الراية من الرمح، وهذا الموضع إما أن يكون قويًا متينًا فلا تنكسر الراية، وإما أن يكون ضعيفًا هشًا فتنكسر الراية.

قلت: فلما استعار الخليل اسم الآلة (العامل) فجعله ذا دلالة اصطلاحية على اللفظ السابق من اللفظين المعلَّقين فقد استعار معه صفتيه من الدلالة الحسية المادية إلى دلالة مجازية فصار المراد بالعامل الضعيف هو العامل الملاصق لمعمولاته فلا ينفك عنه، وصار العامل القوي هو العامل الذي يصح أن يكون غير ملاصق لمعموله، وذلك في ثلاث أحوال:

الحالة الأولى: تستعار صفة القوة للعامل إذا جاز الفصل بين اللفظ السابق واللفظ اللاحق نحو (ذهب إلى المسجد العالم الكبيرُ) فالفعل (ذهب) وهو الوتد أو العامل فصل عن الفاعل وهو اللفظ الموتود بالوتد أو المعمول بالعامل، فُصِلَ عنه بالجار والمجرور، وهذا الفصل جائز، فمن ذلك استعير للعامل صفة (القوة) ، فقيل: (عامل قوي) ؛ لأنه مع كون الفعل قد فصل عن الفاعل إلا أن التركيب مازال صحيحًا.

ولما كان لا يصح أن يفصل بين الجار والمجرور في مثل قولنا: (ذهبتُ إلى صباحًا المدينةِ) فقد استعير للفظ السابق وهو (إلى) ، استعير له صفة الضعف، فقيل: (عامل ضعيف) ؛ لأنه لما فصل الحرف عن الاسم الموتود به فسد التركيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت