ومن ثم فمن ابتغى بلوغ المعاني التي في ذهن المتكلم فليدرسْ ألفاظ المتكلم من حيث الصرفُ والنحو ثم من حيث علوم البلاغة من معانٍ وبيان وبديع؛ ذلك أن علوم البلاغة ما سميت بلاغة إلا لأنها تُبََلِّغُ السامع ما في ذهن المتكلم من معانٍ.
وخلاصة الأمر أن المعاني السياقية عند الخليل هي وسيلة يضبط بها حالات الهواء في أواخر الاسم، أما عند الجرجاني فالمعاني السياقية النحوية من فاعل ومفاعيل وغيرها والمعاني غير النحوية من خبر وإنشاء وتشبيه ومجاز إلى غير ذلك فهي وسيلة لفهم ما في ذهن المتكلم من معانٍ.
المبحث الثالث: دراسة أصولية لمعنى لفظ (عَ رَ بَ)
أ. أصل معنى لفظ (ع ر ب) :
قلت: وأصل معنى لفظ العرب أنه صفة للماء، فقالوا: (ماء عَرَبٌ) أي ماء صافٍ عذبٌ شديد الجريان في الوديان. قال اللسان:"ماءٌ عَرِب: كثير، والتعريب: الإكثار من شرب العَرِب، وهو الكثير من الماء الصافي، ونهر عَرِبٌ: غُمْر (أي كثير الماء) ، وبئر عَرِبة: كثيرة الماء، والفعل من كل ذلك عَرِب عَرَبًا، فهو عاربٌ وعاربةٌ. والعَرَبَة بالتحريك: النهر الشديد الجري....والعَرَبات: طريق في جبلٍ بطريق مصر، قلت: كأنه سمي بذلك لأنه كان فيه مسايل ماء شديدة الجري والإنحدار، وأعربَ سقيُ القوم إذا كان مرة غبًا (أي أن يشربوا يومًا ويومًا لا) ومرةً خمِسًا، ثم قام على وجه واحد".
قلت: ومعنى (ثم قام على وجه واحد) أي كَثُرَ الماء حتى انساب في الأرض فلا يحتاج الناس معه إلى أن يباعدوا في السقي، وسنأتي عما قريب على بيان لم سمي هذا الجيل من الناس بالعرب، والعاربة والمستعربة والمتعربة إن شاء الله.
قال اللسان: العُرْبان والعُرْبون والعَرَبون: كل ما عُقِدَ به البيعة من الثمن، أعجمي أعرب...وقيل: سمي بذلك لأن فيه إعرابًا لعقد البيع أي إصلاحًا وإزالة فسادٍ لئلا يملكه غيره باشترائه.