ومعنى قول الجرجاني هو أننا نستطيع أن نعرف ما في ذهن المتكلم من معانٍ من خلال ألفاظه المنطوقة التي هي صورة للمعاني التي في ذهن صاحبها.
ولما كانت معاني النحو هي المعاني السياقية الناشئة بين الكِلَمِ بسبب تعلق بعضها ببعض، فإننا إذا أعربنا (أي بَيَّنَّا) المعاني السياقي في أي نظم فإننا نكون قد عرفنا ما في ذهن المتكلم من معانٍ أي عرفنا مقاصد المتكلم.
فالجرجاني يتخذ إعراب معاني النحو أي تبيينها وسيلة لفهم المعاني التي في ذهن المتكلم، ولذلك عُرِّف علم المعاني بأنه هو:"ما يحتز به عن الخطأ في تأدية المعنى الذي يريده المتكلم لإيصاله إلى ذهن السامع" [1] . والمعنى"في اصطلاح البيانيين: هو التعبير باللفظ عما يتصوره الذهن" [2] .
وبسبب هذا الاختلاف بين دراسة الخليل للمعاني السياقية ودراسة الجرجاني نشأ في العربية علمان هما: علم النحو وعلم البلاغة. فعلم النحو غايته هي غاية الخليل وهي: إعراب (أي تبيين) المعاني السياقية من أجل اتخاذها وسيلة يضبط بها حالات الهواء في آخر الاسم.
أما علم البلاغة فغايته هي غاية الجرجاني وهي: تبيين المعاني السياقية لأنها كاشفة عما في ذهن المتكلم من مقاصد، على أن الجرجاني والبلاغيين لم يقتصروا على المعاني السياقية المدروسة في علم النحو من فاعل ومفاعيل، وخبر وحال وتوابع إلى غير ذلك، بل توسعوا فدرسوا الجملة الخبرية وأغراضها، وأنواع الخبر، وأساليب الإنشاء من أمر ونهي ونداء وغيرها، وما تخرج إليها من معانٍ، وميزوا بين فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى إلى غير ذلك من أقسام علم المعاني.
ودرس الجرجاني والبلاغيون أيضًا التشبيه والمجاز والكناية لأنهن من المعاني التي في ذهن المتكلم وخصوها باسم (علم البيان) ، ثم زاد البلاغيون فبحثوا في محسنات المعاني، ومحسنات الألفاظ وخصوها باسم (علم البديع) .
(1) جواهر البلاغة: السيد أحمد الهاشمي، ص5.
(2) المرجع السابق: ص 41.