قلت: لما أراد الخليل ضبط الكَلِمَ وجد أن ضبط أوله وحشوه بموازين تحفظ ويقاس عليها أمر ميسور، فاسم الفاعل من الثلاثي على وزن (فاعل) ، واسم الفاعل من فوق الثلاثي على وزن المضارع بقلب الأول ميمًا مضمومة وكسر ما قبل الآخر إلى غير ذلك من المشتقات.
وإنما كانت العسرة في ضبط آخر اللفظ المُمَكَّن من حالات الهواء، إذ لا يمكن ضبطه بميزان يحفظ ويقاس عليه؛ ذلك أن الحرف الأخير يُغَيِّرُ المتكلم حالة الهواء فيه بتغيير معناه السياقي، فإذا كان فاعلًا لزم حالة رفع الهواء، وإذا كان مفعولًا لزم حالة نصب الهواء، ومن ثم وجد أنَّ اتخاذ المعاني السياقية وسيلةً لضبط حالات الهواء في آخر الكلم هو الحل الصواب لهذه المسألة.
فلما كان ذلك، سعى الخليل إلى إعراب المعاني السياقية، وكلمة (الإعراب) [1] تعني التبيين، وليست تعني (التغيير) الذي يقصد به تغيير المتكلم لحالات الهواء في آخر الكَلِمِ.
فالإعراب عند الخليل في حقيقته هو: تبيين المعاني السياقية من أجل اتخاذها وسيلةً تُُضبط بها حالات الهواء في آخر الكلم، ثم توسع النحاة بمصطلح الإعراب حتى صار عندهم هو تغيير أواخر الكلم نفسه.
وصار الاسم المعرب هو الاسم الذي يُغَيّر المتكلمُ حالةَ هوائه الأخيرةَ، أما في أصل الاصطلاح فالاسم المعرب هو الاسم المعرَب معناه السياقي أي الاسم المُبين معناه السياقي من أجل اتخاذ المعنى السياقي وسيلة تضبط بها حالات الهواء في آخر الاسم.
المبحث الثاني: الفرق بين معاني الخليل ومعاني الجرجاني
تحدث عبد القاهر الجرجاني رحمه الله عن النظم فقال:"النظم: ليس شيئًا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وأنك ترتب المعاني، أولًا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك" [2] .
(1) سنأتي على ذكر سائر المعاني في مادة (عَرَب) في المبحث الثالث إن شاء الله.
(2) دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، ص 454.